kawalisrif@hotmail.com

الملك في طريقه إلى باريس … خطوة مغربية واحدة تُربك الجزائر لأيام وتُصيب إعلامها بالإسهال !

الملك في طريقه إلى باريس … خطوة مغربية واحدة تُربك الجزائر لأيام وتُصيب إعلامها بالإسهال !

مرة أخرى، يثبت الإعلام الجزائري الرسمي وشبه الرسمي أنه أكثر انشغالاً بالمغرب من انشغاله بقضايا بلاده الداخلية. فبمجرد تداول أخبار الزيارة المرتقبة لجلالة الملك محمد السادس إلى فرنسا، وما قد تحمله من آفاق جديدة للشراكة والتعاون بين البلدين، انطلقت في الجزائر حالة استنفار إعلامي غير معلنة، تحولت معها الشاشات والبرامج السياسية إلى منصات لمراقبة كل حركة تصدر عن الرباط.

المثير في الأمر أن الحدث، الذي يندرج في إطار العلاقات الطبيعية بين دولتين ذواتي سيادة، قُدِّم لدى بعض المنابر الجزائرية وكأنه تطور يمس الأمن القومي الجزائري أو يستهدف قصر المرادية بشكل مباشر. عشرات التحليلات والتكهنات والتوقعات، واستضافة ما يُسمّى بـ”الخبراء”، في مشهد يوحي وكأن المغرب مطالب بالحصول على موافقة مسبقة من الجزائر قبل أن يحدد أجندته الدبلوماسية أو يطوّر شراكاته الدولية.

وفي المقابل، يتعامل المغرب مع هذه المحطة بهدوء وثقة، انسجاماً مع نهج دبلوماسي راكم نجاحاته بعيداً عن الصخب والضجيج. فالمملكة اعتادت تدبير ملفاتها الاستراتيجية بعقلانية ورؤية طويلة المدى، دون حاجة إلى حملات دعائية أو خطابات انفعالية. لذلك لا يُنظر إلى الزيارة الملكية باعتبارها حدثاً استثنائياً، بقدر ما تُعد خطوة طبيعية ضمن دينامية دبلوماسية متواصلة يقودها المغرب على مختلف الواجهات الدولية.

والمفارقة اللافتة أن بعض وسائل الإعلام الجزائرية خصصت للزيارة المرتقبة ساعات من النقاش والتحليل تفوق بكثير ما خصصته لها وسائل الإعلام المغربية نفسها. وكأن الرباط مطالبة يومياً بشرح تحركاتها الخارجية، وتبرير خياراتها السيادية، والإجابة عن أسئلة لم تطرحها أصلاً.

والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الأصوات سارعت إلى تقديم أي تقارب مغربي ـ فرنسي باعتباره موجهاً ضد الجزائر، في استمرار لمنطق قديم يقوم على اعتبار أن كل نجاح دبلوماسي يحققه المغرب لا بد أن يكون مؤامرة أو استهدافاً لطرف آخر. والحال أن العلاقات الدولية لا تُبنى على عقدة الجوار ولا على هواجس المؤامرة، بل على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والسيادة الوطنية.

ويبقى من حق المغرب أن ينسج التحالفات التي تخدم مصالحه الاستراتيجية، ومن حق فرنسا أن تعزز علاقاتها مع الشركاء الذين تراهم مناسبين. أما تحويل زيارة ثنائية بين دولتين مستقلتين إلى قضية رأي عام في بلد ثالث، فهو سلوك يكشف حجم الهوس الذي أصبح يرافق كل خطوة مغربية ناجحة على الساحة الدولية.

ويبدو أن هناك قاعدة غير مكتوبة في المنطقة المغاربية: كلما تحرك المغرب بثقة نحو شراكة جديدة أو مكسب دبلوماسي جديد، ارتفع منسوب الانشغال به خارج حدوده أكثر مما ارتفع داخلها. وهي مفارقة تختصر الكثير من الحقائق التي لم تعد بحاجة إلى شرح.

وفي انتظار وصول الطائرة الملكية إلى باريس، يبدو أن بعض الاستوديوهات التلفزيونية في الجزائر قد حجزت مقاعدها في الصفوف الأمامية لمتابعة الحدث دقيقة بدقيقة، وربما ثانية بثانية. فبينما ينشغل المغرب ببناء شراكاته وتوسيع حضوره الدولي، يواصل البعض هناك ممارسة هوايته المفضلة: مراقبة الرباط أكثر من مراقبة واقعه الداخلي.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ماذا سيفعل المغرب في فرنسا، بل ماذا ستفعل بعض القنوات الجزائرية إذا مرّ يوم كامل دون خبر مغربي تستضيف حوله المحللين والخبراء والمعلقين؟ عندها فقط قد تجد نفسها مضطرة للحديث عن الجزائر نفسها… وهو تحدٍّ يبدو، حتى الآن، أصعب بكثير من متابعة أخبار المملكة.

24/05/2026

مقالات خاصة

Related Posts