kawalisrif@hotmail.com

إسرائيل ترد على سانشيز من قلب إسبانيا .. “سلخ” واعتقالات في صفوف نشطاء «أسطول الصمود» بمطار بلباو يشعلان مواجهة دبلوماسية

إسرائيل ترد على سانشيز من قلب إسبانيا .. “سلخ” واعتقالات في صفوف نشطاء «أسطول الصمود» بمطار بلباو يشعلان مواجهة دبلوماسية

في مفارقة سياسية مدوية تحمل كثيراً من السخرية والحرج، وجدت حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز نفسها فجأة في قلب عاصفة حقوقية وأمنية، بعدما تحولت عملية استقبال نشطاء «أسطول الصمود العالمي» العائدين من إسرائيل إلى مشاهد صدام واعتقالات داخل مطار بلباو، في واقعة فتحت الباب أمام تل أبيب للرد على مدريد بالأسلوب ذاته الذي طالما استخدمته الأخيرة ضدها: المطالبة بـ«التوضيحات».

فبينما لم تكن الانتقادات الإسبانية الموجهة لإسرائيل بشأن اعتراض الأسطول واحتجاز النشطاء قد هدأت بعد، انفجرت أزمة جديدة على الأراضي الإسبانية نفسها إثر توقيف أربعة أشخاص خلال استقبال الوفد العائد من تركيا، في مشاهد وثقتها عدسات الإعلام وأظهرت حالة من الفوضى والتدافع واحتكاكات مباشرة بين الشرطة ومستقبلي النشطاء.

وبحسب المعطيات المتداولة، بدأت الأحداث عندما حاول أحد المشاركين الاقتراب من المجموعة أثناء الإدلاء بتصريحات إعلامية والتقاط الصور داخل مطار لويو ببلباو، قبل أن تتدخل شرطة إقليم الباسك لمنعه، ليتحول الموقف خلال دقائق إلى اشتباكات وتدافع ومشاهد عنف أثارت جدلاً واسعاً، وانتهت باعتقال أربعة أشخاص بتهم العصيان ومقاومة السلطات والاعتداء على عناصر الأمن، قبل الإفراج لاحقاً عن ثلاثة منهم.

غير أن ما حدث لم يُقرأ فقط باعتباره حادثاً أمنياً معزولاً، بل سرعان ما تحول إلى مادة سياسية ودبلوماسية مشتعلة. فإسرائيل، التي كانت خلال الأسابيع الماضية هدفاً لمطالب إسبانية متكررة بتقديم تفسيرات بشأن معاملة نشطاء الأسطول، استغلت الواقعة لتقلب المشهد رأساً على عقب، مطالبة مدريد هي الأخرى بتفسير ما جرى فوق أراضيها. وهكذا عادت عبارة «نطالب بتوضيحات» إلى مرسلها في مشهد وصفه مراقبون بأنه أحد أكثر فصول السجال الإسباني ـ الإسرائيلي سخرية وإحراجاً.

ولم يتوقف الغضب عند حدود الاعتقالات، إذ اتهم منظمو «أسطول الصمود العالمي» الشرطة الإسبانية بممارسة ما وصفوه بـ«العنف المفرط» ضد أشخاص عادوا لتوهم من تجربة احتجاز قاسية، مؤكدين أن بعض المشاركين كانوا يعانون أصلاً من إصابات وجروح قبل أن يجدوا أنفسهم في مواجهة جديدة مع قوات الأمن داخل المطار.

وزادت الناشطة مي هوا لي من حدة الجدل بعدما أطلقت اتهامات ثقيلة ضد السلطات الإسرائيلية، متحدثة عن «اختطاف وإهانة وتعذيب» تعرض له المشاركون عقب اعتراض السفن في عرض البحر. كما تحدثت عن مزاعم تتعلق بحالات ضرب وصعق كهربائي وتهديدات بالقتل واعتداءات ذات طابع جنسي، وهي اتهامات خطيرة من شأنها أن تدفع الملف إلى مستويات قضائية وحقوقية دولية إذا فُتحت تحقيقات مستقلة بشأنها.

من جهتها، أكدت الناشطة ديانا زومينيو أن أعضاء الأسطول عاشوا ظروف احتجاز قاسية، مشيرة إلى أن بعضهم تعرض للعنف الجسدي، وأن الأوضاع التي عاشوها داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية تشبه، وفق روايتها، ما يتحدث عنه الأسرى الفلسطينيون منذ سنوات.

وفي خضم هذه العاصفة، أعلنت أحزاب يسارية إسبانية، من بينها «إي إتش بيلدو» و«بوديموس» و«سومار»، رفضها لما جرى في بلباو، معتبرة أن استخدام القوة ضد نشطاء عادوا من مهمة إنسانية مرتبطة بغزة أمر غير مقبول ويتطلب مساءلة سياسية واضحة.

وفي محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد، أعلن وزير الأمن في حكومة إقليم الباسك، بينغين زوبيريا، عزمه المثول أمام البرلمان الجهوي لتقديم توضيحات رسمية حول تدخل الشرطة والظروف التي رافقت الاعتقالات.

لكن ما يبدو واضحاً هو أن القضية تجاوزت بكثير حدود حادث أمني داخل مطار. فالسفن التي أبحرت من تركيا تحت شعار كسر الحصار عن غزة عادت لتشعل مواجهة سياسية بين مدريد وتل أبيب، وتحول النشطاء الذين رفعوا شعارات التضامن الإنساني إلى محور أزمة دبلوماسية مفتوحة.

وبين اتهامات بالتعذيب والانتهاكات من جهة، ومشاهد الاعتقالات والعنف داخل إسبانيا من جهة أخرى، تبدو العلاقات بين مدريد وتل أبيب وكأنها دخلت مرحلة جديدة من «كسر العظم» السياسي.

فبعدما اعتادت الحكومة الإسبانية توجيه الأسئلة والانتقادات إلى إسرائيل، وجدت نفسها فجأة في موقع المتهم أمام الرأي العام، تتلقى السؤال ذاته الذي كانت تطرحه على الآخرين: من يفسر ما جرى للنشطاء هذه المرة؟ ومن سيقدم التوضيحات المطلوبة عندما تقع الأحداث على الأراضي الإسبانية نفسها؟ إنها أزمة تتدحرج بسرعة، وقد تحمل الأيام المقبلة فصولاً أكثر سخونة في واحدة من أكثر المواجهات الدبلوماسية توتراً بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.

24/05/2026

مقالات خاصة

Related Posts