kawalisrif@hotmail.com

الحر يحاصر أوروبا … الجحيم المناخي ينسف حلول التكييف ويفرض على المدن ولادة عمرانية جديدة

الحر يحاصر أوروبا … الجحيم المناخي ينسف حلول التكييف ويفرض على المدن ولادة عمرانية جديدة

تشهد القارة الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا، تحولاً مناخياً غير مسبوق فرض واقعاً جديداً على المدن والبنى التحتية، بعدما أصبحت موجات الحر الشديدة تتكرر بوتيرة متسارعة، كاشفة محدودية التصاميم العمرانية التي شُيدت أساساً لمواجهة برد الشتاء، لا حرارة الصيف. وأمام هذا الواقع، تتصاعد الدعوات إلى إعادة صياغة نموذج البناء الأوروبي بما ينسجم مع التغيرات المناخية المتسارعة، بدل الاكتفاء بحلول ظرفية تعتمد على أجهزة التكييف.

ويرى خبراء في المناخ أن التوسع في استخدام أنظمة التبريد أصبح ضرورة لحماية السكان، خاصة الفئات الهشة، لكنه لا يمثل حلاً دائماً، محذرين من أن استمرار الاعتماد على هذه الوسائل دون مراجعة شاملة لسياسات التخطيط العمراني سيزيد من استهلاك الطاقة ويعمق الأعباء البيئية والاقتصادية خلال السنوات المقبلة.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه أوروبا صيفاً استثنائياً، مع ارتفاع قياسي في درجات الحرارة واتساع رقعة الحرائق والجفاف، ما يفرض على الحكومات الموازنة بين إجراءات عاجلة لحماية المواطنين ورؤية استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تهيئة المدن أمام مناخ أكثر قسوة.

وقال خبير الكوارث الطبيعية وتغير المناخ، الدكتور بدوي رهبان، إن الظروف الحالية التي تعيشها أوروبا، خصوصاً فرنسا، تؤكد أن تجهيز المباني بأنظمة التبريد لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة ملحة، مشيراً إلى أن الأبنية الأوروبية لم تُصمم لتحمل درجات حرارة قياسية كالتي تعرفها القارة اليوم.

وأوضح المدير السابق للحد من الكوارث الطبيعية في اليونسكو أن الأولوية خلال المرحلة الحالية ينبغي أن تُمنح للمستشفيات ودور رعاية المسنين والمدارس والمؤسسات الحيوية، باعتبارها الأكثر تأثراً بموجات الحر، مؤكداً أن تعميم أنظمة التبريد على جميع المباني يتطلب استثمارات ضخمة وخطة طويلة الأمد.

وأضاف أن الاقتصار على أجهزة التكييف يعني معالجة الأعراض دون الأسباب، لأن جوهر الأزمة يكمن في التغير المناخي، داعياً إلى إطلاق مشاريع لإعادة تأهيل المدن، تشمل توسيع المساحات الخضراء، والتشجير المكثف، واستخدام مواد عازلة للحرارة، والحد من الواجهات الزجاجية التي تزيد من احتباس الحرارة داخل المباني.

ومن جانبها، أكدت الباحثة الدولية في علم المناخ والبيئة، الدكتورة شادن دياب، أن غالبية المنازل الأوروبية بُنيت وفق نموذج معماري يهدف إلى الاحتفاظ بالدفء خلال الشتاء، وهو ما يجعلها اليوم أقل قدرة على مواجهة موجات الحر الطويلة التي أصبحت تتكرر منذ صيف 2003.

وأوضحت أن عدداً من الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، بدأ مراجعة سياساته العمرانية، حيث باتت التشريعات الجديدة تشترط أن تكون المباني قادرة على توفير التدفئة في الشتاء والتبريد في الصيف وفق معايير حديثة، غير أن تطبيق هذه التحولات يتطلب سنوات طويلة واستثمارات مالية كبيرة.

وأضافت أن إعادة تأهيل المدن الأوروبية لن تقتصر على تعديل قوانين البناء، بل ستشمل اعتماد مواد بناء أكثر كفاءة، وتحسين العزل الحراري، وتطوير شبكات الطاقة، بما يضمن قدرة المدن على التكيف مع واقع مناخي جديد.

وشددت دياب على أن التوسع في استخدام أجهزة التكييف يضع أوروبا أمام معادلة معقدة، إذ يتعارض مع أهدافها الرامية إلى خفض انبعاثات الكربون والحد من الاحتباس الحراري، في وقت يؤدي فيه ارتفاع الطلب على الكهرباء إلى زيادة الضغط على منظومات إنتاج الطاقة.

وختمت بالتأكيد أن الأزمة الحالية تعكس فجوة بين التحذيرات العلمية والسياسات التنفيذية، معتبرة أن التكيف مع التغير المناخي لم يعد خياراً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة تفرض على الحكومات إعادة التفكير في طريقة بناء المدن وإدارة الطاقة، حفاظاً على سلامة السكان واستدامة البيئة في العقود المقبلة.

04/07/2026

مقالات خاصة

Related Posts