في عالم كرة القدم، هناك قصص تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، وتبدو وكأنها خرجت من فيلم سينمائي. ومن بين أكثر الحكايات إثارة التي عادت إلى الواجهة قبل نهائي كأس العالم 2026 بين الأرجنتين وإسبانيا، تلك الصورة الشهيرة التي جمعت الأسطورة الأرجنتينية ليونيل ميسي بطفل رضيع لم يكن أحد يعرف اسمه آنذاك… قبل أن يصبح اليوم النجم الإسباني لامين جمال .
قبل عشرين عامًا، عندما خاض ميسي أول بطولة لكأس العالم عام 2006، لم يكن لامين جمال قد وُلد بعد. واليوم، يقف القدر أمام مفارقة استثنائية، إذ يستعد قائد الأرجنتين لمواجهة الجوهرة الإسبانية في أول لقاء رسمي بينهما، وربما الأخير، على أكبر مسرح كروي في العالم.
لكن الصورة المنتظرة في النهائي لن تكون الأولى التي تجمع بينهما. ففي عام 2007، وخلال جلسة تصوير خيرية لتقويم تضامني نظمته صحيفة Sport بالتعاون مع مؤسسة برشلونة ومنظمة يونيسف، التُقطت صورة لميسي، الذي كان يبلغ من العمر 21 عامًا، وهو يحمل الرضيع لامين جمال ويقوم بتحميمه داخل حوض صغير، في لقطة عفوية لم يكن أحد يتوقع أنها ستتحول بعد سنوات إلى واحدة من أشهر الصور في تاريخ كرة القدم.
صاحب هذه الصورة، المصور الإسباني خوان مونفورت، كشف في تصريحات لإذاعة RAC1 تفاصيل القصة التي وصفها بـ”المعجزة”. وأوضح أن جلسة التصوير استمرت نحو 25 دقيقة، وشارك فيها 12 لاعبًا من الفريق الأول لبرشلونة مع 12 طفلًا من أسر تعاني أوضاعًا اجتماعية صعبة، قبل أن تجمع الصدفة بين ميسي والطفل لامين جمال.
ويروي مونفورت أنه عندما أُبلغ قبل يوم واحد بأن ميسي سيُصوَّر مع طفل يبلغ أربعة أشهر فقط، بدأ يفكر في طريقة تجعل الصورة مختلفة. واستلهم الفكرة أثناء تحميم ابنته “جانا”، فقرر إحضار حوض استحمام بلاستيكي وبطة مطاطية من منزله إلى غرفة ملابس الضيوف في ملعب كامب نو، ليمنح الصورة أجواءً من البراءة والفرح.
وبحسب المصور، لم يبكِ لامين أثناء التصوير، بل بدا مستمتعًا، بفضل وجود والدته شيلا إلى جانبه. وبعد انتهاء الجلسة، اختفت الصورة داخل الأرشيف لسنوات طويلة، إلى أن أعاد والد لامين نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد 17 عامًا، لتجتاح العالم وتتحول إلى رمز لتوارث الأجيال في كرة القدم.
وقال مونفورت: “بدأ زملائي يتصلون بي ليخبروني أن الصورة المنتشرة في كل مكان هي من تصويري. وحتى ذلك الوقت، لم نكن نعلم إطلاقًا أن ذلك الطفل هو لامين يامال. إنه أمر لا يُصدق.”
وأضاف: “أن يجتمع أحد أفضل الرياضيين في تاريخ اللعبة مع لاعب يسير بخطى ثابتة ليصبح من الأفضل في العالم… هذا أمر مذهل ولا يزال يفاجئني.”
ورغم أنه لا يعتبر نفسه شخصًا متدينًا، فإن مونفورت لم يجد تفسيرًا لما حدث سوى القدر، قائلاً: “كانت هناك يد الله وراء جمعهما في تلك اللحظة… إنها معجزة ولا أستطيع تفسيرها.”
كما كشف أنه لم يلتقِ سوى بلامين جمال بعد انتشار الصورة، وأن اللاعب أخبره مازحًا خلال إحدى حفلات توزيع الجوائز: “لا أتذكر تلك اللحظة، رغم أن ذاكرتي جيدة جدًا.”
ومن جانبه، أوضح أوريول كانالس، المسؤول السابق عن التسويق في صحيفة Sport، أن لامين.جمال هو الطفل الوحيد من بين أطفال ذلك التقويم الذي أصبح نجمًا عالميًا، مؤكدًا أن بقية الأطفال عاشوا ظروفًا اجتماعية صعبة، وأن الصورة التي ضمت ميسي ولامين ووالدته شيلا أصبحت اليوم مصدر فخر وسعادة لهم.
واليوم، وبعد قرابة عقدين من تلك اللقطة الإنسانية البسيطة، قد يقف ميسي ولامين جمال وجهًا لوجه في نهائي كأس العالم. ولن تكون المباراة مجرد صراع على الكأس، بل مواجهة بين جيلين؛ جيل صنع تاريخ اللعبة، وجيل جديد يسعى إلى كتابة فصله الخاص.
ويبقى السؤال الذي يشغل عشاق الساحرة المستديرة: هل ينجح ليونيل ميسي في كتابة خاتمة ذهبية جديدة لمسيرته الأسطورية، أم يكون لامين يامال بطل بداية حقبة جديدة في كرة القدم العالمية؟
مهما كانت النتيجة، فإن كرة القدم ستكون الرابح الأكبر، لأنها على موعد مع واحدة من أكثر القصص الإنسانية والرياضية إلهامًا، قصة بدأت بطفل بين ذراعي أسطورة… وقد تنتهي بمواجهة تاريخية على عرش العالم.
16/07/2026