على بعد نحو أربعة كيلومترات غرب مدينة الحسيمة، تقف نقطة تفريغ الأسماك المجهزة “إنوارن”، التي تُعد إحدى أهم نقاط إنزال منتجات الصيد التقليدي بالمنطقة، شاهدة هذا الصيف على بداية غير مألوفة لموسم الأخطبوط، بعد أن تحولت شباك البحارة من مصدر للأمل إلى عنوان لخيبة متكررة.
في كل صيف، يخرج بحارة الحسيمة إلى البحر وهم يحملون أملاً في موسم يعوض شهور الانتظار. لكن هذا العام بدا المشهد مختلفاً تماماً؛ فالبحر حاضر، والقوارب تبحر، والأسواق تترقب، إلا أن “البطل” الرئيسي للموسم، الأخطبوط، بدا وكأنه اختفى، في مشهد أثار قلق المهنيين.
وبنقطة التفريغ المجهزة “إنوارن”، تحولت بداية موسم صيد الأخطبوط إلى ما يشبه لغزاً بحرياً؛ عشرات الرحلات تنتهي بحصيلة هزيلة، بينما يعود البحارة بأسئلة أكثر مما يعودون بالمصطادات.
ووفق معطيات مهنيين بالقطاع، يواصل نحو 20 قارباً للصيد التقليدي رحلاته اليومية بحثاً عن الأخطبوط، غير أن الكميات المصطادة لا تتجاوز، في كثير من الأحيان، 10 كيلوغرامات في الرحلة الواحدة، رغم أن السقف المسموح به يبلغ 60 كيلوغراماً لكل قارب. وبين الرقمين تتجسد فجوة كبيرة تختصر حجم الأزمة.
والمفارقة أن أسعار الأخطبوط ارتفعت بفعل قلة العرض، إذ تراوح سعر الكيلوغرام بين 85 و90 درهماً، غير أن هذه الأسعار لم تكن كافية لتعويض البحارة، لأن المشكلة لا تكمن في قيمة البيع، بل في ندرة المصطادات، ما جعل العديد من الرحلات البحرية تتحول إلى مغامرات مكلفة بعائد اقتصادي محدود.
ويرى مهنيون أن التقلبات الجوية والاضطرابات البحرية تقف وراء هذا التراجع، مؤكدين أن الوضع لا يقتصر على سواحل الحسيمة، بل يمتد إلى مناطق بحرية أخرى وصولاً إلى سواحل واد لو، وهو ما يعزز فرضية تأثر انتشار الأخطبوط بالظروف الطبيعية السائدة.
ورغم هذه البداية الباهتة، لم يفقد البحارة الأمل بعد، إذ إن معدل استغلال الحصة الإجمالية المخصصة للأخطبوط داخل نفوذ مندوبية الصيد البحري بالحسيمة لم يتجاوز 20 في المائة، ما يعني أن الفرصة لا تزال قائمة إذا تحسنت الأحوال الجوية وبدأت تجمعات الأخطبوط في الظهور خلال الأيام المقبلة.
ويبقى السؤال الذي يتردد على أرصفة الميناء وفي أوساط البحارة: هل يخفي البحر مفاجأة تعيد الحياة إلى موسم الأخطبوط، أم أن صيف 2026 سيُسجل كواحد من أكثر المواسم صعوبة في ذاكرة الصيد التقليدي بالحسيمة؟
وفي انتظار أن يكشف البحر عن أسراره، يبقى الصمت سيد المشهد في “إنوارن”. قوارب تعود بحمولات هزيلة، وشباك ترتفع من الأعماق أخف مما هبطت، وعيون البحارة تظل معلقة بالأفق في انتظار انفراجة تعيد للموسم نبضه. وبين بحر يحتفظ بأسراره وقلوب تخشى ضياع موسم كامل، يبقى السؤال معلقاً فوق أمواج الحسيمة: هل يعود الأخطبوط في الوقت المناسب لينقذ أرزاق مئات الأسر، أم أن هذا الموسم سيُكتب في ذاكرة البحارة كواحد من أكثر المواسم قسوة وإحباطاً؟
16/07/2026