في الحسيمة، لم يعد المرجان الأحمر مجرد ثروة تختبئ في أعماق المتوسط، بل تحول إلى ملف يطفو فوق السطح محمّلاً بالكثير من الأسئلة. وتمكنت جريدة “كواليس الريف” من الانفراد بالغوص في تفاصيله، عبر مسلسل صحفي ما تزال حلقاته الأولى تتكشف، وسط قدر غير قليل من الجدل البيئي والمؤسساتي. فكلما جرى الحديث عن هذه الثروة البحرية، برز سؤال أكثر إلحاحاً: من يقف فعلياً وراء هذا الملف، خلف الستار؟ ومن يملك مفاتيح تدبيره وتحديد مصيره وقيمته؟
القضية لم تعد مرتبطة فقط بما يُستخرج من البحر، وإنما بما يدور حوله من مواقف وتبريرات وحسابات، خصوصاً في ظل الجدل الذي رافق الموضوع داخل قطاع الصيد البحري، وما أثارته غرفة الصيد البحري المتوسطية ورئيسها منير الدراز من نقاش واسع حول طريقة التعامل مع المرجان الأحمر، وإصراره على الترخيص لغطاس ثالث لكل سفينة، وحدود المسؤولية في حماية هذه الثروة البحرية من جهة، مقابل مسؤوليات وتدخلات كل من مندوبية الصيد البحري بالحسيمة، والمكتب الوطني للصيد، ومختلف الأجهزة الأمنية المرابطة بالميناء، والدرك البحري في عرض البحر، فيما يرتبط بالمراقبة والتقارير وتأطير الاستغلال من جهة أخرى.
والأغرب أن المرجان، الذي يفترض أن يكون ملفاً بيئياً وعلمياً قبل أن يكون ملفاً تجارياً، وجد نفسه وسط معركة أرقام وقيم مالية كبيرة في البورصة، وكأن البحر قرر فجأة أن يفتح دفتر حساباته أمام الجميع. خمسة أطنان هنا، وقيمة بمليارات السنتيمات هناك، فيما يبقى السؤال البسيط معلقاً: خمسة أطنان من ماذا بالضبط؟ هل نتحدث عن المرجان كما يخرج من قاع البحر، أم عن منتوج صافٍ بعد التجفيف والتنقية والمعالجة؟
وفي خضم هذا الجدل، وللجواب عن هذه التساؤلات، أوضح مصدر عليم بتفاصيل هذا الملف لـ”كواليس الريف” أن الحديث عن قيمة المرجان الأحمر يستوجب أولاً التمييز بين الكمية التي يتم استخراجها من البحر والكمية الصافية التي تصبح قابلة للاستعمال أو التصنيع أو التصدير، مشدداً على أن الوزن الخام للمرجان المستخرج لا يعكس بالضرورة قيمته التجارية النهائية.
وأضاف المصدر أن كمية الخمسة أطنان التي يتم الحديث عنها هي، في الأصل، مرجان مستخرج مباشرة من البحر، يكون مشبعاً بمياه البحر، فضلاً عن احتوائه على مواد عالقة وأحجار وشوائب قد تكون ملتصقة به. وبالتالي، فإن وزن المرجان لحظة إخراجه من البحر يختلف بشكل كبير عن وزنه بعد إخضاعه لعمليات التجفيف والتنقية والمعالجة.
وأشار المصدر إلى أن الوصول إلى كيلوغرام واحد من المرجان القابل للاستعمال قد يتطلب، في بعض الحالات، استخراج ما بين كيلوغرامين ونصف وثلاثة كيلوغرامات من المرجان الطازج، وذلك تبعاً لحالته ونسبة المياه والمواد العالقة والشوائب التي يحتوي عليها.
وضرب المصدر مثالاً بخمسين كيلوغراماً من المرجان المسموح باستخراجها كل يوم من البحر، موضحاً أن هذه الكمية لا تحتفظ بالوزن نفسه بعد إخضاعها للتجفيف والتنقية، إذ يمكن أن تنخفض إلى نحو ثلاثين أو اثنين وثلاثين أو أربعة وثلاثين كيلوغراماً، بحسب طبيعة المرجان ونسبة المياه والمواد العالقة به.
وبناءً على ذلك، أوضح المصدر أن خمسة أطنان من المرجان كما يتم استخراجها من البحر لا تعني بالضرورة وجود خمسة أطنان من المرجان الصالح للاستعمال أو التصنيع، إذ يمكن أن ينخفض الوزن بشكل كبير بعد التجفيف والتنقية، ليصل، بحسب نسبة الفاقد، إلى ما يقارب طنين ونصف أو نحو طنين وثمانمائة كيلوغرام.
وأكد المصدر أن هذا التوضيح يرمي إلى وضع الأرقام في سياقها الصحيح، حتى لا يتم التعامل مع الكمية الخام المستخرجة من البحر على أنها كمية نهائية قابلة مباشرة للتصدير أو التصنيع، مشيراً إلى أن طبيعة المنتوج ودرجة معالجته تلعبان دوراً أساسياً في تحديد وزنه وقيمته التجارية النهائية.
وشدد المتحدث في الأخير على أن الدراسة العلمية تم إجراؤها واستمر الإشتغال عليها مدة ستة أشهر ، قبل أن تحال على الوزارة المختصة ، من أجل تقييم المنتوج من الناحية العلمية، بينما تبقى الجوانب المرتبطة بالتسويق والتصدير والقيمة التجارية والتدبير المؤسساتي من اختصاص القطاعات والوزارات المعنية ، وأضاف ذات المتحدث أن هناك مراقبين يقومون بعمليات تفتيش الغواصين خلال عمليات الخروج من البحر ، ووزن الكمية المحمولة من المرجان .
لكن إذا كانت الأرقام تحتاج إلى هذا القدر من التدقيق قبل تحويلها إلى قيمة تجارية، فإن السؤال لا يتوقف عند الميزان وحده. فماذا عن حماية البيئة بالمحمية الوطنية للمنتزه؟ ومن يراقب عملية الاستغلال؟ ومن يحتسب القيمة؟ ومن يتحمل مسؤولية كل مرحلة من مراحل هذا المسار، الذي يبدو أنه ما زال يسيل لعاب وشهية الحيتان الكبيرة؟ حيتان لا تحتاج إلى شباك للصيد، ولا إلى غطاس للنزول إلى القاع؛ يكفيها أن تتابع المشهد من البر، بمنظار القراصنة، في انتظار أن تصل الغنيمة إلى السطح جاهزة للحساب والتفاوض والمزاد. أما إذا قرر المحصول خلسةً تغيير وجهته عبر البحر، فربما لا يحتاج الأمر إلا إلى رحلة قصيرة من القاع إلى رصيف، ومن الرصيف إلى مزاد، حيث يصبح المرجان رقماً على الميزان، وتصبح قيمته رقماً آخر في دفتر الحسابات.
والسؤال هنا ليس من يملك الجرأة على الغوص، بل من يملك مفاتيح ما بعد الغوص؟ فمن يخرج المرجان من أعماق البحر قد يكون معروفاً، ومن يراقب العملية قد تكون له صفة واختصاص، لكن من يحتسب القيمة النهائية، ومن يحدد وجهتها، ومن يقف عند آخر السلسلة التجارية، هو ما يستحق أن يكون تحت المجهر. فالحيتان الكبيرة، كما يعلم الجميع، لا تلاحق الطُّعم في الماء عبثاً؛ إنها تظهر عادة عندما تبدأ رائحة الغنيمة في الانتشار.
هنا تحديداً يدخل الملف إلى منطقة أكثر حساسية؛ فبين الحديث عن حماية المخزون البحري وضرورات الاستغلال، وبين من ينظر إلى القيمة الاقتصادية، تتقاطع الاختصاصات وتتداخل الأدوار، لتصبح الحدود أكثر ضبابية بين الجهة التي يفترض أن تحمي الثروة البحرية والجهة التي تساهم في تنظيم أو تأطير استغلالها.
ولأن القصة لا تتعلق بمرجان عادي، بل بثروة بحرية ذات قيمة مرتفعة، فإن أسماء المؤسسات والأشخاص الذين لهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالملف تصبح، بشكل طبيعي، جزءاً من النقاش العام. غير أن المسؤولية، في المقابل، لا تُبنى على الانطباعات ولا على مجرد وجود اسم في واجهة المشهد، وإنما على الوثائق والاختصاصات والقرارات والمعطيات الدقيقة.
وفي انتظار أن تتضح الصورة كاملة، من رصيف الميناء إلى أعماق البحر، يبقى السؤال الأهم معلقاً: من يحتسب القيمة؟ من يراقب الاستغلال؟ ومن يحمي الثروة البحرية؟
أسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها في ملف المرجان الأحمر ليست كذلك أبداً. فحين تتحول خمسة أطنان من منتوج مستخرج من البحر إلى أرقام مالية ضخمة، يصبح الفرق بين الوزن الخام والوزن الصافي أكثر من مجرد تفصيل تقني؛ إنه تفصيل قد يغيّر الحسابات كلها. وبينما يستمر الغوص في أعماق هذا الملف، يبدو أن المرجان الأحمر لم يخرج من البحر وحده، بل أخرج معه أيضاً مجموعة من الأسئلة التي لا تزال تنتظر أجوبة واضحة.
05/09/2026