مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تدخل مدينة السعيدية ، بإقليم بركان، مرحلة لافتة من الحركية العمرانية والتنموية، بعدما بدأت مجموعة من الأوراش والمشاريع تظهر بشكل متسارع في عدد من شوارع وأحياء المدينة، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً ومتجدداً حول العلاقة بين التنمية المحلية والحسابات الانتخابية.
فبينما ينظر جزء من الساكنة إلى هذه الأوراش باعتبارها خطوة إيجابية طال انتظارها، يطرح آخرون سؤالاً أكثر إحراجاً: لماذا تسارعت وتيرة إنجاز عدد من المشاريع في هذا التوقيت بالذات، بعد سنوات من الانتظار ؟
جولة بسيطة في عدد من أحياء السعيدية تكشف عن حركية واضحة في الأشغال، خصوصاً المرتبطة بتعبيد الطرق الداخلية، وتأهيل بعض الأحياء، وترميم الأرصفة، وتحسين الإنارة العمومية وغيرها من التدخلات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
ولا خلاف على أن السعيدية، باعتبارها مدينة سياحية وسكنية ذات خصوصية، تحتاج إلى بنية تحتية حديثة ومرافق عمومية تواكب مؤهلاتها، خصوصاً أن وضعية الطرق والأرصفة والإنارة تشكل في كثير من الأحيان جزءاً أساسياً من صورة المدينة أمام سكانها وزوارها.
غير أن الإشكال الذي بدأ يطفو على السطح لا يتعلق بأهمية المشاريع في حد ذاتها، وإنما بتوقيت إخراجها إلى أرض الواقع، خاصة عندما تأتي وتيرة الأشغال متسارعة في الفترة التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية.
وفي الأوساط المحلية، بدأت تتداول قراءات مختلفة لما يجري، بين من يرى أن الأمر يتعلق بتدارك التأخر وتسريع تنفيذ برامج كان يفترض إنجازها في وقت أبكر، وبين من يعتبر أن توقيت هذه الأوراش يثير شبهة توظيف الإنجاز العمومي في سياق سياسي وانتخابي.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المشاريع نفسها انتخابية أو أن وراءها أهدافاً سياسية مؤكدة، لكن تزامن إنجازها أو تسريعها مع اقتراب الاستحقاقات يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طريقة برمجة المشاريع وتحديد أولوياتها وتوقيت تنفيذها.
ففي التدبير الترابي، لا يكفي أن تنجز المشاريع في نهاية الولاية، بل يفترض أن تكون جزءاً من رؤية واضحة تمتد على مدى الولاية كاملة، حتى يشعر المواطن بأن التنمية ليست مرتبطة بمواعيد الانتخابات.
وبينما تستقبل الساكنة هذه الأشغال بارتياح، خصوصاً في الأحياء التي عانت طويلاً من تدهور الطرق والأرصفة والإنارة، فإن فئة أخرى تتعامل معها بحذر، وتطرح سؤالاً بسيطاً لكنه يحمل دلالات سياسية كبيرة: هل ستستمر هذه الدينامية بعد انتهاء الاستحقاقات؟
ويذهب بعض المتابعين إلى أن المواطن لم يعد يكتفي برؤية الإسفلت الجديد والأرصفة المهيأة والإنارة المحسنة، بل أصبح أكثر اهتماماً بمعرفة الكلفة، والمدة، وجودة الإنجاز، والجهة المستفيدة، والأهم من ذلك: لماذا تأخر تنفيذ بعض المشاريع إلى نهاية الولاية؟
وهنا تحديداً يظهر الفرق بين مشروع تنموي مستدام ومشروع قد يتحول، في نظر الرأي العام، إلى مجرد «ماكيلاج» انتخابي قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع.
فالسعيدية ليست بحاجة فقط إلى تعبيد بعض الطرق أو إعادة تهيئة الأرصفة، بل إلى رؤية شاملة تضع التنمية السياحية والاقتصادية والاجتماعية في صلب الأولويات. فالمدينة مطالبة بمعالجة عدد من الملفات البنيوية المرتبطة بجاذبيتها السياحية، وجودة الفضاءات العمومية، والنظافة، والإنارة، والطرق، ومواقف السيارات، وتأهيل الأحياء، وتحسين الخدمات، بما يضمن ألا تتحول المشاريع إلى تدخلات ظرفية مرتبطة بموسم أو استحقاق انتخابي.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق الأوراش قبل الانتخابات، وإنما في ضمان استمراريتها وجودتها وصيانتها بعد الانتخابات.
وفي نهاية المطاف، تبقى المشاريع التنموية مكسباً للمدينة مهما كان توقيتها، والمواطن لا يمكنه إلا أن يرحب بكل ورش يحسن ظروف عيشه ويعيد الاعتبار للفضاء العام.
لكن المواطن نفسه يملك اليوم أدوات أكبر للمساءلة، ولم يعد ينظر فقط إلى «ماذا أُنجز؟»، بل يسأل أيضاً: «متى أُنجز؟ ولماذا تأخر؟ وكم كلف؟ وهل سيستمر؟».
وبينما تتواصل الأوراش في عدد من مناطق السعيدية، ستبقى الكرة في ملعب القائمين على تدبير الشأن المحلي لتقديم أجوبة واضحة حول حصيلة الولاية، وبرنامج المشاريع، وآجال تنفيذها، ومصادر تمويلها.
أما الحكم النهائي، فسيكون للساكنة نفسها، التي ستدخل الاستحقاقات المقبلة وهي تحمل في ذاكرتها ليس فقط صور الأوراش الجديدة، وإنما أيضاً سنوات الانتظار والأسئلة المرتبطة بها.
ففي السعيدية، قد تنتهي الأشغال قبل موعد الانتخابات.. لكن السؤال السياسي حول توقيتها لن ينتهي بسهولة.
05/09/2026