kawalisrif@hotmail.com

قانون الجنسية يشعل مواجهة جديدة بين مدريد والرباط … البرلمان الإسباني أمام اختبار حاسم في تجنيس الصحراويين بعد أزمة سبتة

قانون الجنسية يشعل مواجهة جديدة بين مدريد والرباط … البرلمان الإسباني أمام اختبار حاسم في تجنيس الصحراويين بعد أزمة سبتة

يستعد البرلمان الإسباني لخوض اختبار سياسي جديد قد يضع العلاقة بين مدريد والرباط أمام مرحلة دقيقة، مع اقتراب موعد التصويت النهائي على مشروع قانون يفتح الطريق أمام منح الجنسية الإسبانية لفئة من الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للصحراء.

ومن المرتقب أن يصوّت مجلس النواب الإسباني، يوم الخميس 10 شتنبر، على مشروع القانون الذي تقدّم به ائتلاف «سومار»، في توقيت لا يبدو عادياً بالنسبة للعلاقات المغربية الإسبانية، خصوصاً بعد التوتر الذي طبع الأسابيع الأخيرة على خلفية أزمة الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة.

ورغم أن المشروع يعود في الأصل إلى سنة 2024، فإن وصوله إلى محطة التصويت النهائي في هذا الظرف بالذات يمنحه أبعاداً سياسية تتجاوز بكثير مسألة الجنسية. فالنص يعيد قضية الصحراء إلى واجهة النقاش داخل المؤسسة التشريعية الإسبانية، في وقت تحاول فيه حكومة بيدرو سانشيز الحفاظ على شراكة استراتيجية مع المغرب تشمل ملفات شديدة الحساسية، في مقدمتها الهجرة والأمن والتجارة والاستثمار.

المشروع الذي سجل رسمياً في مارس 2024، تحت عنوان يتعلق بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في ظل الإدارة الإسبانية، كان قد ظل لأكثر من عام يواجه تردداً داخل البرلمان، خصوصاً من جانب الحزب الاشتراكي الحاكم، قبل أن يأخذ مساره منعطفاً جديداً خلال يونيو الماضي، عندما أعلن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس تأييده للمبادرة، مع التشديد في الوقت نفسه على أهمية الحفاظ على أفضل علاقة ممكنة مع المغرب.

وتحمل المبادرة بصمة واضحة للنائبة الإسبانية من أصول صحراوية تِش سيدي، التي جعلت من الملف أحد أبرز رهاناتها السياسية داخل البرلمان، بدعم من عدد من النواب اليساريين، من بينهم إنريكي سانتياغو.

وفي 23 يوليوز، قطعت المبادرة مرحلة حاسمة بعدما صادقت عليها لجنة العدل بأغلبية 19 صوتاً مقابل ثلاثة، فيما اختار 15 نائباً الامتناع. وصوتت أحزاب اليسار الحكومي وحلفاؤها لصالح النص، في حين عارضه حزب «فوكس»، بينما امتنع الحزب الشعبي و«جونتس» عن التصويت ضده.

لكن خلف هذه الأرقام البرلمانية تختبئ قضية أكثر تعقيداً. فالنص المقترح لا يمنح الجنسية بشكل آلي لكل الصحراويين، وإنما يفتح أمام فئة محددة إمكانية الحصول عليها عبر ما يعرف بـ«خطاب التجنيس»، شريطة إثبات الولادة في إقليم الصحراء قبل 29 شتنبر 1977.

ويشمل ذلك الأشخاص الذين لا يقيمون حالياً في إسبانيا، على أن يقدموا الوثائق التي تثبت ولادتهم في الإقليم خلال الفترة المحددة. وقد وسع النص وسائل الإثبات الممكنة، لتشمل بطاقات الهوية الإسبانية القديمة، وشهادات الميلاد، ودفاتر العائلة، ووثائق الإدارة الإسبانية السابقة، إضافة إلى وثائق الدراسة والتقاعد ورخص السياقة وشهادات العلاج والاستشفاء وغيرها من الوثائق الإدارية التي يمكن أن تثبت الارتباط بالإدارة الإسبانية.

وتشير تقديرات “سومار” إلى أن عدد الأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا من هذه المقتضيات قد يصل إلى نحو 80 ألف شخص، فيما تتحدث تقديرات أخرى عن أعداد أكبر.

ولا يتوقف أثر المشروع عند الجيل الذي ولد خلال الفترة الإسبانية، إذ يمنح أبناء المستفيدين المباشرين من الدرجة الأولى حق الاختيار للحصول على الجنسية خلال خمس سنوات من تاريخ تسجيل اكتساب أحد والديهم الجنسية بموجب القانون، ما يعني أن المشروع قد يفتح الباب أمام امتداد الاستفادة إلى جيل آخر.

كما يتضمن النص تعديلاً مهماً على المادة 22 من القانون المدني الإسباني، من خلال خفض مدة الإقامة المطلوبة أمام الصحراويين الراغبين في الحصول على الجنسية إلى سنتين، بدل القاعدة العامة المحددة في عشر سنوات، على غرار فئات أخرى تربطها بإسبانيا روابط تاريخية خاصة.

أما تاريخ 29 شتنبر 1977، الذي يشكل الحد الفاصل في المشروع، فيرتبط مباشرة بالمرحلة التي كانت فيها الصحراء تحت الإدارة الإسبانية وبالإشكالات التي ظهرت عقب انسحاب إسبانيا من المنطقة.

ويستند أصحاب المشروع إلى أن إسبانيا كانت قد اعتبرت الصحراء، سنة 1958، إقليماً إسبانياً، وأن سكانها كانوا يحملون وثائق هوية إسبانية ويستفيدون من عدد من الحقوق الإدارية والتعليمية والوظيفية. كما يشيرون إلى إجراءات اتخذت خلال سنة 1976 تتيح، في ظروف معينة، الاحتفاظ بالجنسية الإسبانية، قبل أن يؤدي الانسحاب الإسباني إلى تعقيد إمكانية ممارسة هذا الحق.

ومن هنا، يحاول أنصار القانون تقديمه باعتباره تصحيحاً لوضع تاريخي أكثر من كونه عملية تجنيس استثنائية. فخطاب «سومار» واليسار الإسباني يقوم أساساً على فكرة أن الأمر لا يتعلق بمنح امتياز جديد، وإنما باستعادة حق يقولون إن ظروف الانسحاب الإسباني حالت دون ممارسته.

وهذا الطرح يجد أيضاً سنداً في اجتهادات قضائية إسبانية سابقة تناولت الوضع القانوني للصحراويين خلال الحقبة الإسبانية، ورفضت اختزال وضعهم ببساطة في وضع الأجانب، مع اعتبار الظروف التي رافقت انسحاب إسبانيا عاملاً أساسياً في عدم ممارسة بعضهم لحق الاختيار.

غير أن المسألة تصبح أكثر حساسية عندما تنتقل من قاعات البرلمان إلى الحسابات السياسية للحكومة الإسبانية.

فمنذ التحول الكبير في موقف مدريد من قضية الصحراء سنة 2022، عندما أعلنت الحكومة الإسبانية دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي، أصبحت أي مبادرة تشريعية مرتبطة بالصحراء قابلة للتأويل على مستوى العلاقات مع الرباط.

وكان الحزب الاشتراكي أكثر حذراً من «سومار» في التعامل مع المشروع، قبل أن تتجه الحكومة إلى دعم تمريره، مع محاولة تعديل بعض العبارات السياسية الواردة في النص، خصوصاً تلك التي يمكن أن تحمل دلالات تتعلق بـ«الشعب الصحراوي»، وهو ما عكس حرصاً واضحاً على عدم إرسال إشارات قد تُفهم باعتبارها تراجعاً عن الموقف الإسباني الرسمي من قضية الصحراء.

وبذلك، فإن تمرير القانون، في حال حصوله، لن يعني بالضرورة أن حكومة سانشيز بصدد تغيير موقفها من مقترح الحكم الذاتي، لكنه سيؤكد في المقابل أن البرلمان الإسباني يمتلك هامشاً سياسياً وتشريعياً للتعامل مع الإرث التاريخي الإسباني في الصحراء بطريقة قد لا تتطابق بالكامل مع حسابات السلطة التنفيذية.

وتزداد حساسية المشهد بسبب أزمة سبتة. فمن الناحية القانونية، لا توجد علاقة مباشرة بين الأزمة ومشروع قانون الجنسية، إذ إن الأخير بدأ مساره التشريعي قبل الأزمة بسنوات. لكن من الناحية السياسية، يصعب تجاهل أن التصويت يأتي بعد فترة قصيرة من واحدة من أكثر مراحل التوتر حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.

فأزمة الهجرة الجماعية نحو سبتة أعادت إلى الواجهة مدى اعتماد إسبانيا على التعاون المغربي في مراقبة الحدود ومحاربة الهجرة غير النظامية، كما فتحت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية الإسبانية حول مستقبل العلاقة مع الرباط.

وفي هذا السياق، قد يجد سانشيز نفسه أمام معادلة صعبة: الدفاع عن استقلال البرلمان في تمرير تشريع يعتبره مؤيدوه معالجة لظلم تاريخي، وفي الوقت نفسه تجنب إحداث شرخ جديد مع المغرب في ملفات تحتاج فيها مدريد إلى استمرار التعاون الوثيق.

أما بالنسبة إلى الرباط، فلم يصدر إلى حدود الآن موقف رسمي معلن بشأن الصيغة النهائية للمشروع، غير أن دلالاته السياسية قد تتجاوز مسألة الجنسية نفسها.

فإعادة الاعتراف، عبر تشريع إسباني، بالروابط القانونية والتاريخية التي كانت قائمة بين سكان الصحراء والإدارة الإسبانية، ومنحهم مساراً خاصاً نحو الجنسية، قد تُقرأ باعتبارها إعادة إدخال للمرحلة الاستعمارية الإسبانية للصحراء إلى صلب النقاش التشريعي في إسبانيا، في وقت تؤكد فيه الرباط أن مدريد اختارت بوضوح دعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

ومن المرجح، في حال إقرار القانون، أن تتعامل الرباط مع الملف بحذر، بالنظر إلى المصالح الاستراتيجية الواسعة التي تجمع البلدين. غير أن توقيته قد يمنحه وزناً إضافياً في سياق أزمة ثقة لم تُغلق جميع فصولها بعد.

كما أن القانون لا يمثل بالضرورة بالنسبة إلى الصحراويين أنفسهم المعنى السياسي ذاته. فالحصول على الجنسية الإسبانية قد يشكل بالنسبة إلى فئة منهم تسوية لوضع قانوني وتاريخي، لكنه لا يعني بالضرورة حسم النزاع السياسي حول مستقبل الصحراء.

وبالنسبة إلى جبهة البوليساريو، فإن الجنسية الإسبانية ليست بديلاً عن مطالبها السياسية المرتبطة بتقرير المصير، وإن كان الاعتراف بالروابط التاريخية بين إسبانيا وسكان الصحراء يمكن أن يقدم، من وجهة نظرها، كإقرار بمسؤولية تاريخية إسبانية عن المرحلة الاستعمارية.

لكن حتى في حال تصويت مجلس النواب لصالح المشروع يوم 10 شتنبر، فإن الطريق نحو دخوله حيز التنفيذ لن يكون فورياً. فالنص سيحتاج إلى استكمال مساره داخل مجلس الشيوخ، ثم المصادقة عليه ونشره في الجريدة الرسمية للدولة، قبل أن يبدأ العمل به وفق المدة المحددة في المشروع.

وبعد دخوله حيز التنفيذ، ستكون أمام المستفيدين مهلة ثلاث سنوات لتقديم طلباتهم، مع إمكانية تمديدها سنة إضافية بقرار من وزارة العدل، ما يعني أن الحديث عن استفادة عشرات الآلاف من الجنسية الإسبانية لن يتحول إلى واقع بين ليلة وضحاها.

وهكذا، يبدو أن جلسة 10 شتنبر لن تكون مجرد محطة تقنية في مسار قانوني طويل. فالتصويت سيضع أمام مدريد معادلة دقيقة تجمع بين التاريخ والقانون والدبلوماسية.

فالبرلمان الإسباني سيكون أمام مشروع يقول مؤيدوه إنه يصحح وضعاً تاريخياً خلفته نهاية الإدارة الإسبانية للصحراء، بينما ستراقب الرباط عن كثب ما إذا كان هذا التشريع سيبقى محصوراً في إطار قانون الجنسية أم سيتحول إلى رسالة سياسية تحمل دلالات تتجاوز حدود إسبانيا.

وفي ظل أزمة سبتة، والتحولات التي عرفتها العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة، قد يكون السؤال الأهم ليس فقط: هل سيمر قانون الجنسية للصحراويين؟ بل ماذا سيعني مروره بالنسبة إلى التوازن الدقيق الذي تحاول مدريد الحفاظ عليه مع الرباط؟

فبينما تسعى الحكومة الإسبانية إلى تثبيت شراكة استراتيجية مع المغرب، يصر جزء من البرلمان على إعادة فتح ملفات مرتبطة بالماضي الاستعماري الإسباني. وبين هذين المسارين، يجد بيدرو سانشيز نفسه أمام اختبار جديد قد يكشف حدود التفاهم بين السلطة التنفيذية والبرلمان، كما قد يكشف في الوقت ذاته مدى قدرة مدريد والرباط على احتواء خلاف جديد دون السماح له بالتحول إلى أزمة مفتوحة.

05/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts