كشفت معطيات جديدة أن إسبانيا رفعت بشكل لافت حجم وارداتها من الأسماك والقشريات القادمة من المغرب منذ وصول بيدرو سانشيز إلى رئاسة الحكومة، إذ انتقلت الكميات المستوردة من نحو 91.7 مليون كيلوغرام سنة 2018 إلى 137.2 مليون كيلوغرام سنة 2025، بزيادة بلغت 49.6 في المائة، وفق بيانات قاعدة “داتا كومكس” التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة الإسبانية.
ولا يتعلق الأمر بزيادة عابرة في رقم تجاري، بل بمسار يعكس اتساع حضور المنتجات البحرية المغربية داخل السوق الإسبانية خلال السنوات الأخيرة، في وقت يواجه فيه قطاع الصيد الإسباني ضغوطاً متزايدة، مرتبطة بتراجع الأسطول وارتفاع تكاليف التشغيل وتقلص أعداد البحارة.
وعلى المستوى المالي، ارتفعت قيمة مشتريات إسبانيا من الأسماك والقشريات المغربية من حوالي 620.1 مليون يورو سنة 2018 إلى 864.6 مليون يورو سنة 2025، أي بزيادة بلغت 39.4 في المائة. وتشير المعطيات إلى أن قيمة الواردات سجلت أعلى مستوى لها سنة 2023، عندما بلغت نحو 901.7 مليون يورو.
ورغم أن الارتفاع لم يكن خطياً، فإن سنة 2025 سجلت أكبر حجم من الواردات خلال الفترة التي شملها التحليل، بعدما تجاوزت الكمية 137 مليون كيلوغرام. كما سبق أن اقتربت الواردات من هذا المستوى سنة 2021، قبل أن تتراجع خلال سنة 2022، ثم تعاود الارتفاع لاحقاً.
واللافت في هذه الأرقام أن الزيادة في الكميات كانت أكبر من الزيادة في القيمة، وهو ما يرتبط بتقلبات أسعار الأسماك في الأسواق. فقد انتقل متوسط قيمة الكيلوغرام المستورد من حوالي 6.76 يورو سنة 2018 إلى نحو 6.30 يورو سنة 2025، بانخفاض يقارب 6.8 في المائة.
وتأتي هذه التطورات في سياق اتساع العلاقات التجارية بين المغرب وإسبانيا في المجال الغذائي، حيث ارتفعت قيمة واردات إسبانيا من المنتجات الفلاحية والغذائية المغربية من 1.524 مليار يورو سنة 2018 إلى 2.223 مليار يورو سنة 2024، بزيادة تقارب 46 في المائة.
وفي المقابل، يثير تراجع الإنتاج البحري الإسباني مخاوف متزايدة داخل القطاع، إذ يقدر الإنتاج الوطني بحوالي 700 ألف طن، وسط حديث مهني عن فقدان عدد كبير من السفن والبحارة نتيجة القيود التنظيمية المفروضة على الصيد داخل الاتحاد الأوروبي.
ويعتبر خافيير غارات، الكاتب العام للكونفدرالية الإسبانية للصيد البحري “سيبيسكا”، أن تراجع الإنتاج المحلي مقابل ارتفاع الواردات يطرح إشكالية بالنسبة إلى المهنيين الإسبان، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتجات قادمة من دول خارج الاتحاد الأوروبي لا تخضع، بحسب القطاع الإسباني، دائماً للمعايير الاجتماعية والبيئية نفسها المفروضة على المنتجين المحليين.
وفي هذا السياق، يظل ملف اتفاق الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي حاضراً في خلفية المشهد، بعدما أبطلت العدالة الأوروبية الاتفاق السابق، فيما تستمر المساعي المرتبطة بإيجاد صيغة جديدة تراعي الأحكام القضائية الأوروبية. ويزيد تعقيد الملف من حساسية العلاقات التجارية والبحرية بين الطرفين.
والمفارقة أن السوق الإسبانية تواصل استقبال كميات متزايدة من المنتجات البحرية المغربية، في وقت يعيش فيه جزء من الأسطول الإسباني أزمة مرتبطة بارتفاع تكاليف التشغيل وضعف المردودية. وهو ما دفع المهنيين إلى مطالبة حكومة مدريد بإجراءات استثنائية لدعم الأسطول وتعزيز قدرته على الاستمرار.
ومن بين أبرز الضغوط التي تواجهها الشركات الإسبانية ارتفاع سعر الغازوال، الذي يدور حول 1.20 يورو للتر، إلى جانب ما يعتبره القطاع عدم كفاية المساعدات الحالية، الأمر الذي دفع بعض قطاعات الأسطول إلى تقليص نشاطها أو تعليق جزء منه.
وهكذا، تكشف الأرقام التجارية عن مفارقة لافتة: كلما اشتدت الضغوط على جزء من قطاع الصيد الإسباني، ازداد حضور الأسماك المغربية على موائد المستهلكين وفي الأسواق الإسبانية. وبينما تتحدث مدريد عن حماية الإنتاج المحلي وتشدد بروكسيل القواعد على أساطيل الصيد، تستمر أرقام التجارة في رسم صورة مختلفة، عنوانها الأبرز: المغرب يتحول إلى مورد أكثر أهمية للسوق الإسبانية، والأسماك المغربية تجد طريقها إلى إسبانيا بأرقام قياسية.
06/09/2026