kawalisrif@hotmail.com

المغرب يقتحم سوق المحار في غاليسيا .. “الأزمة الخانقة” تفتح أبواب إسبانيا أمام المنتج المغربي وتشعل حرب البحر !

المغرب يقتحم سوق المحار في غاليسيا .. “الأزمة الخانقة” تفتح أبواب إسبانيا أمام المنتج المغربي وتشعل حرب البحر !

لم يعد المغرب يكتفي بمنافسة المنتجين الإسبان في عدد من الأسواق الأوروبية، بل بدأ يفرض حضوره بقوة داخل قطاعات كانت لعقود طويلة تُعد من المجالات التقليدية التي تحتكرها مناطق إسبانية، وعلى رأسها غاليسيا. وفي أحدث فصول هذه المنافسة، عاد “المحار الدقيق” المغربي، المعروف علمياً باسم “Ruditapes decussatus”، إلى الأسواق الإسبانية والغاليثية، مستفيداً من أزمة غير مسبوقة يعيشها قطاع الرخويات البحرية في غاليسيا.

وكانت صادرات المحار الدقيق المغربي قد توقفت مؤقتاً خلال شهر يونيو الماضي بسبب ظهور ظاهرة طبيعية سامة أثرت على هذا النوع من المنتجات، قبل أن تعود الحركة التجارية تدريجياً بعد تجاوز هذه المرحلة. ومع استئناف الإمدادات، يستعد المنتج المغربي لاستعادة حضوره بقوة في السوق الإسبانية، في وقت وصلت فيه أنشطة جمع الرخويات البحرية في غاليسيا إلى مستويات منخفضة للغاية.

وتأتي هذه العودة المغربية في ظرف حساس بالنسبة للقطاع الغاليثي، الذي يعاني منذ سنوات من تراجع الإنتاج، وعدم استقرار المصايد، إلى جانب الصيد غير القانوني وسوء تدبير بعض مناطق إنتاج الرخويات. وبينما تكافح التعاونيات المحلية لتوفير كميات كافية من المحار، يجد المنتج المغربي طريقه إلى السوق الإسبانية حاملاً معه قدرة أكبر على تلبية الطلب.

ولا يثير هذا الوضع ارتياحاً داخل أوساط الصيادين ومنشآت تنقية الرخويات والمسوقين في غاليسيا، خصوصاً أن المحار الدقيق المغربي يصل إلى السوق الإسبانية في وضعية تجعله قريباً جداً من مرحلة التسويق النهائي، ما يقلص هامش تدخل الشركات المحلية ويجعل بعضها أقرب إلى دور الوسيط أو المتفرج على منافسة تتسع يوماً بعد يوم.

وتزداد حساسية الوضع عندما يتعلق الأمر بالأسعار، إذ إن دخول كميات إضافية من المحار المستورد إلى الأسواق يمكن أن يضغط على أسعار المزادات السمكية، خصوصاً في الفترات التي يكون فيها الإنتاج المحلي شحيحاً. وهكذا يجد المنتج الغاليثي نفسه أمام معادلة صعبة: إنتاج محلي متراجع من جهة، ومنتج أجنبي قادر على سد جزء من الفراغ من جهة أخرى.

ولم يعد الأمر مقتصراً على وصول المحار المغربي إلى إسبانيا كمنتج مستورد عادي، بل بات يحظى بتسويق يستهدف المطاعم والمطابخ المهنية والقطاع الراقي من فنون الطبخ. وتقدم بعض شبكات التوزيع الإسبانية المحار الدقيق المغربي باعتباره منتجاً يتميز بلحم متماسك ونكهة بحرية واضحة ونظيفة، ويمكن استخدامه في أطباق بحرية تقليدية، وعلى البخار، وفي الأرز والمعجنات وأطباق المقبلات الراقية.

واللافت أكثر أن الطريق التجاري للمحار المغربي إلى غاليسيا يمر عبر برشلونة، من خلال شركة كاتالونية مرتبطة برأسمال مغربي، تعمل على تسويق المنتج باعتباره محاراً فاخراً موجهاً إلى كبار الطهاة والمهنيين في مجال فنون الطبخ. كما يرتبط هذا النشاط بشركة “أزورا أتلانتيك”، التي طورت في المغرب منشأة متخصصة في تربية وإنتاج المحار الدقيق.

وتدخل هذه المنشأة خلال سنة 2026 عامها العاشر من التشغيل، بعد استثمارات مهمة تقدر بحوالي 20 مليون يورو، أي ما يقارب 220 مليون درهم، في مشروع اعتمد على تطوير تقنيات تربية المحار والاستفادة من خبرات مهنية وعلمية متخصصة. وبذلك لم يعد المغرب مجرد مصدر للمنتجات البحرية، بل أصبح يطور سلسلة إنتاج متكاملة قادرة على الوصول إلى أسواق أوروبية ذات معايير صارمة.

وفي غاليسيا، لا تخفي الأوساط المهنية أن الحاجة إلى المنتجات المستوردة أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بضعف الإنتاج المحلي. وتوضح مسؤولة في تعاونية لوريثان للصيادين أن منشآت تنقية الرخويات والمسوقين يحتاجون إلى إمدادات مستمرة لتلبية طلب السوق، وعندما لا تكون الكميات المحلية كافية، يصبح اللجوء إلى البرتغال والمغرب، وحتى كندا في بعض الحالات، أمراً شبه حتمي.

المفارقة أن المنافسة المغربية لا تصل إلى السوق الإسبانية في صورة منتج مجمد أو مطهو مسبقاً، وإنما يتعلق الأمر بمحار طازج يدخل مباشرة في المنافسة مع المحار المنتج في الخلجان والمصايد الغاليثية. ومع كل إغلاق لمناطق الإنتاج المحلية أو تراجع مردوديتها بسبب الاستغلال المفرط والصيد غير القانوني وسوء التدبير، تتسع المساحة التي يمكن أن يشغلها المنتج القادم من المغرب.

كما ساهم تشديد البرتغال، منذ الأول من يونيو، إجراءات مراقبة وتتبع الرخويات البحرية وفق القواعد الأوروبية، في إعادة ترتيب خريطة الإمدادات داخل السوق الأوروبية. وأصبحت المنتجات القادمة عبر القنوات القانونية والموثقة أكثر قدرة على الوصول إلى الأسواق الأوروبية، في وقت يواجه فيه المنتجون التقليديون ضغوطاً متزايدة للحفاظ على قدرتهم التنافسية.

وتخضع عمليات نقل وتجارة هذه المنتجات داخل الاتحاد الأوروبي لمنظومة التتبع والمراقبة الأوروبية “TRACES”، التي تتيح مراقبة حركة المنتجات والسلع الخاضعة للقواعد الصحية والبيطرية والغذائية. وهذا يعني أن المنافسة لم تعد فقط مسألة سعر أو كمية، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بالقدرة على احترام شروط التتبع والجودة والسلامة التي تفرضها السوق الأوروبية.

وهكذا، يجد قطاع الرخويات البحرية في غاليسيا نفسه أمام واقع جديد يصعب تجاهله. فالأزمة التي تضرب الإنتاج المحلي لم تترك الأسواق الإسبانية فارغة، بل فتحت الباب أمام منافسين من خارج إسبانيا، وفي مقدمتهم المغرب، الذي نجح خلال السنوات الأخيرة في بناء حضور متزايد في سلاسل الإمداد الغذائية والبحرية الأوروبية.

وبينما كانت غاليسيا تنظر إلى المحار باعتباره جزءاً من هويتها البحرية وتراثها الاقتصادي، بدأت السوق نفسها تفرض منطقاً مختلفاً: من يستطيع توفير المنتج بالجودة المطلوبة وفي الوقت المناسب هو من يملك فرصة أكبر في المنافسة. وفي هذه المعادلة، يبدو أن المحار المغربي لم يعد مجرد ضيف على الموائد الإسبانية، بل يتحول تدريجياً إلى منافس حقيقي في سوق كانت غاليسيا تعتبرها مجالاً طبيعياً لها.

والأكثر إثارة أن المنافسة هذه المرة لا تأتي من مصنع أوروبي ضخم ولا من شركة آسيوية بعيدة، وإنما من الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث يواصل المغرب تطوير قدراته في تربية وتسويق المنتجات البحرية. وبينما تتراجع بعض المصايد الغاليثية تحت ضغط الأزمات والإغلاق وتراجع الإنتاج، يتقدم المنتج المغربي بهدوء نحو المطاعم والأسواق الإسبانية، في مشهد قد يجعل “المحار الدقيق” واحداً من رموز التحول الجديد في ميزان المنافسة البحرية بين المغرب وإسبانيا.

09/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts