لم يعد مشروع الناظور غرب المتوسط مجرد ورش مينائي ضخم يتقدم على الواجهة المتوسطية للمملكة، ولا مجرد بوابة جديدة للسلع والحاويات والصناعة، بل بدأ يكشف عن وجه استراتيجي أكثر حساسية يرتبط بالطاقة والسيادة والقدرة على التحرر من نقاط الضعف التي فرضتها لسنوات خريطة الإمدادات الأوروبية. فالمغرب يتحرك بالتوازي على جبهتين، الأولى عبر إعادة ترتيب مشروع محطة الغاز الطبيعي المسال بالناظور، والثانية من خلال إحياء مشروع الربط الكهربائي المباشر مع البرتغال، في محاولة لبناء منافذ جديدة تقلص الاعتماد على البنية التحتية الإسبانية وتمنح المملكة هامشاً أوسع في إدارة أمنها الطاقي.
فالطاقة اليوم لم تعد مجرد سلعة تخضع لقواعد العرض والطلب، وإنما أصبحت في قلب الحسابات الجيوسياسية للدول. أنابيب الغاز ومحطات إعادة التغويز وشبكات الكهرباء والموانئ الطاقية تحولت إلى أصول استراتيجية تمنح الدول قوة تفاوضية كبيرة، لكنها قد تتحول في المقابل إلى نقاط ضعف عندما ترتبط إمدادات بلد بشكل مفرط ببنية تحتية تقع خارج أراضيه. ومن هذه الزاوية، يكتسب التحرك المغربي أهمية خاصة، بعدما أصبح جزء مهم من منظومته الطاقية مرتبطاً بشكل مباشر أو غير مباشر بالبنية التحتية الإسبانية.
وبحسب المعطيات الواردة في الصحافة الإسبانية، يعتمد نحو 20 في المائة من إمدادات الكهرباء المغربية على إسبانيا، فيما تمر كميات الغاز التي يشتريها المغرب من السوق الدولية عبر محطات إعادة تغويز إسبانية قبل وصولها إلى المملكة. ويعني ذلك أن جزءاً من سلسلة الإمداد الطاقي المغربي يمر عبر بوابة تقع خارج التراب الوطني، وهو ما يجعل تنويع المنافذ خياراً استراتيجياً أكثر منه مجرد قرار تقني أو اقتصادي.
في هذا السياق، يبرز الناظور غرب المتوسط باعتباره إحدى أهم القطع في الرهان المغربي على فك هذا الارتباط. فالمشروع لا يقتصر على ميناء تجاري ولوجستي، وإنما يتضمن قطباً صناعياً وطاقياً متكاملاً، مع التخطيط لإنشاء محطة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغويزه، بما يسمح للناقلات القادمة من الأسواق الدولية بتفريغ حمولاتها مباشرة على الساحل المغربي، بعيداً عن الحاجة إلى المرور أولاً بمحطات إسبانية.
وتكمن أهمية هذه المنشأة في أنها يمكن أن تغير مسار الغاز نحو المغرب. فبدلاً من وصول الغاز الطبيعي المسال إلى إسبانيا وإعادة تغويزه هناك قبل نقله إلى المملكة عبر أنبوب المغرب العربي-أوروبا، سيكون بإمكان المغرب استقبال الغاز مباشرة من البحر في الناظور، وتخزينه وإعادة تغويزه ثم ضخه في الشبكة الوطنية. ومن شأن ذلك أن يمنح المملكة منفذاً بحرياً مباشراً نحو أسواق الغاز العالمية، سواء تعلق الأمر بالولايات المتحدة أو قطر أو غيرهما من المنتجين والمصدرين.
كما أن موقع الناظور غرب المتوسط يمنح المشروع قيمة إضافية، إذ يقع على الواجهة المتوسطية وفي قلب واحد من أهم الممرات البحرية بين أوروبا وإفريقيا. ومن خلال ربط محطة الغاز بالشبكة الوطنية وبأنبوب المغرب العربي-أوروبا، يمكن تحويل المركب إلى نقطة استقبال وتوزيع استراتيجية تخدم محطات إنتاج الكهرباء والقطاع الصناعي، وتدعم في الوقت نفسه تحول شمال شرق المملكة إلى قطب صناعي وطاقي قادر على استقطاب استثمارات جديدة.
لكن المغرب لا يتحرك في ملف الغاز وحده. فالمملكة أعادت أيضاً إحياء مشروع للربط الكهربائي المباشر مع البرتغال ظل لسنوات خارج دائرة التنفيذ، ويتعلق الأمر بربط تصل قدرته إلى نحو 1000 ميغاواط بين محطة بني حرشان الكهربائية شمال المغرب ومدينة تافيرا في منطقة الغارف البرتغالية. ومن المنتظر أن يعتمد المشروع على كابل بحري عالي الجهد يعمل بالتيار المستمر، بما يفتح أمام المغرب مساراً مباشراً نحو الشبكة البرتغالية والسوق الأوروبية للكهرباء.
وإذا انتقل هذا المشروع من مرحلة الدراسات إلى التنفيذ، فإنه سيمنح المغرب بوابة كهربائية إضافية نحو أوروبا، ويقلل من الاعتماد على المسار الإسباني في علاقته بالسوق الأوروبية. كما أن الربط مع البرتغال يكتسب أهمية خاصة في ظل التحولات التي تعرفها سوق الكهرباء الأوروبية، والحاجة المتزايدة إلى شبكات مترابطة قادرة على تبادل الطاقة بين الدول، خصوصاً مع ارتفاع حصة الطاقات المتجددة وتقلب الإنتاج المرتبط بها.
وقد اتفق المغرب والبرتغال، وفق المعطيات المتداولة، على تحديث الدراسات التقنية والاقتصادية الخاصة بالمشروع، مع بحث إمكانات التمويل الأوروبي والخاص. ولا يعني ذلك أن التنفيذ أصبح أمراً محسوماً أو أن موعداً نهائياً قد تحدد، لكن إعادة المشروع إلى أجندة البلدين تكشف عن رغبة مغربية في توسيع خياراتها الكهربائية وعدم حصر علاقتها بالسوق الأوروبية في بوابة واحدة.
وتزداد دلالة هذا التحرك إذا وضع في سياقه الجيوسياسي. فالمغرب لا يبحث عن قطع علاقاته الطاقية مع إسبانيا، ولا عن استبدال شريك بآخر، وإنما يعمل على تقليص درجة الاعتماد على مسار واحد. والفرق كبير بين علاقة تقوم على الشراكة المتبادلة، وعلاقة تجعل طرفاً معيناً يتحكم في جزء حساس من الطريق الذي تسلكه الطاقة للوصول إلى الطرف الآخر.
أما محطة الغاز بالناظور، فتبقى القطعة الأكثر حساسية في هذا المخطط. فقد تعرض المشروع لانتكاسة في فبراير الماضي بعدما أوقف المغرب طلب العروض الخاص بالبنية التحتية وخطوط أنابيب الغاز المرتبطة بالمحطة. غير أن مصادر حكومية مغربية تحدثت لاحقاً عن إعادة ضبط وإعادة صياغة الملف، مع التأكيد على أن المشروع يحمل طابعاً استراتيجياً وأن الهدف هو تعديل طلب العروض ومواصلة المسار، بما يعني أن التأجيل لا يساوي التخلي عن المشروع.
وهذا التفصيل مهم، لأن المشاريع الطاقية الكبرى لا تُقاس فقط بسرعة إنجازها، وإنما بقدرتها على تغيير بنية السوق عندما تدخل مرحلة التشغيل. ومحطة الغاز في الناظور، إذا خرجت إلى حيز التنفيذ وفق التصور الجديد، لن تكون مجرد منشأة صناعية إضافية، بل ستمنح المغرب قدرة أكبر على اختيار مصادر الغاز وطرق وصوله، كما ستتيح له الاستفادة من موقعه البحري لاستقبال شحنات الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية مباشرة.
ومن هنا تتضح العلاقة بين الناظور غرب المتوسط وباقي الاستراتيجية الطاقية المغربية. فالمملكة تعمل منذ سنوات على توسيع إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة الشمسية والريحية، وتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر، وتعزيز شبكات الربط، وتنويع مصادر الغاز، وبناء بنية تحتية قادرة على مواكبة النمو الصناعي. ويأتي الناظور غرب المتوسط ليجمع جزءاً مهماً من هذه الرهانات في نقطة جغرافية واحدة، تجعل شمال شرق المغرب لاعباً متقدماً في معادلة الطاقة والتجارة بين إفريقيا وأوروبا.
وكلما توسعت هذه الشبكة من البدائل، تغيرت طبيعة العلاقة الطاقية مع إسبانيا. فالمغرب سيظل مرتبطاً بالسوق الإسبانية والأوروبية، وسيظل الربط الكهربائي بين ضفتي المتوسط قائماً ومهماً، لكن موقع مدريد كوسيط في بعض مسارات الطاقة المغربية يمكن أن يتراجع تدريجياً. وبذلك تنتقل العلاقة من منطق الحاجة إلى منطق الاختيار، ومن الاعتماد على منفذ واحد إلى تعدد المنافذ والشركاء.
ولعل الرسالة الأبرز في كل هذه التحركات أن الرباط تتعامل مع أمن الطاقة باعتباره جزءاً من الأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية. فامتلاك محطة لاستقبال الغاز، وشبكات كهربائية متعددة، وموانئ قادرة على استقبال الموارد الطاقية مباشرة، وإنتاج متزايد للكهرباء النظيفة، يعني أن المغرب لا يكتفي بشراء الطاقة من الأسواق الدولية، وإنما يسعى أيضاً إلى التحكم في مسارات وصولها إلى اقتصاده.
وفي هذه المعادلة، يتحول الناظور غرب المتوسط من مشروع مينائي إلى ورقة استراتيجية تتقاطع فيها التجارة والطاقة والصناعة والجغرافيا السياسية. فالميناء الذي يراهن عليه المغرب لتغيير وجه شمال شرق المملكة قد يصبح في الوقت نفسه بوابة لاستقبال الغاز العالمي، ومنصة لتزويد الصناعة والكهرباء، ونقطة اتصال مع الشبكات الأوروبية، وعنصراً إضافياً في بناء منظومة طاقية أكثر استقلالاً.
وبذلك، فإن التحرك المغربي لا يستهدف إسبانيا بقدر ما يستهدف نقطة الضعف التي يمكن أن تنشأ عندما ترتبط إمدادات دولة بمنافذ تقع خارج سيادتها. ولهذا تتقدم الرباط في أكثر من اتجاه: الناظور للغاز، والبرتغال للكهرباء، والطاقات المتجددة للإنتاج الداخلي، والهيدروجين الأخضر لبناء موقع مستقبلي في سوق الطاقة الأوروبية. إنها استراتيجية تقوم على قاعدة بسيطة: كلما زادت البدائل، اتسع هامش القرار.
وفي ظل التوترات السياسية التي شهدتها العلاقات المغربية الإسبانية، تكتسب هذه التحولات بعداً إضافياً. فالطاقة التي كانت تُقرأ في السابق باعتبارها ملفاً اقتصادياً وتقنياً فقط، أصبحت اليوم جزءاً من لعبة النفوذ في غرب المتوسط. والمغرب، عبر تنويع بوابات الطاقة، يريد أن يضمن ألا تتحول أي بنية تحتية خارج حدوده إلى “عنق زجاجة” يمكن أن يؤثر في أمنه الطاقي.
لهذا، فإن قصة الناظور غرب المتوسط قد تكون أكبر بكثير من قصة ميناء جديد على الساحل المتوسطي. إنها قصة انتقال تدريجي من موقع المستهلك الذي يحتاج إلى بوابات الآخرين، إلى موقع الدولة التي تبني بواباتها الخاصة وتوسع خياراتها. وإذا نجحت الرباط في إخراج محطة الغاز بالناظور إلى حيز التنفيذ، بالتوازي مع تطوير الربط مع البرتغال وتوسيع إنتاجها من الطاقات المتجددة، فإن خريطة الطاقة في غرب المتوسط ستكون أمام معادلة جديدة.
فالمغرب لا يغلق الباب أمام إسبانيا، لكنه يفتح أبواباً أخرى. والناظور غرب المتوسط قد يكون أحد أهم هذه الأبواب، بوابة للغاز والكهرباء والصناعة، وفي الوقت نفسه لبنة في مشروع أوسع لفك التبعية الطاقية وتعزيز استقلال القرار المغربي في غرب المتوسط.
09/09/2026