kawalisrif@hotmail.com

المغرب يحلق فوق سماء إسبانيا.. ست سنوات من حرب المسيّرات و”ريبر” مدريد لا تزال بلا مخالب

المغرب يحلق فوق سماء إسبانيا.. ست سنوات من حرب المسيّرات و”ريبر” مدريد لا تزال بلا مخالب

في الوقت الذي تواصل فيه إسبانيا تقديم الوعود بشأن تسليح طائراتها المسيّرة، يبدو أن المغرب قطع مسافة ميدانية أكبر بكثير في هذا المجال، بعدما راكم، وفق تقرير نشره موقع إسباني متخصص في قضايا الدفاع والأمن، نحو ست سنوات من الخبرة في استخدام الطائرات المسيّرة المسلحة في العمليات القتالية، مقابل استمرار طائرات “ريبر” الإسبانية في التحليق من دون أسلحة.

المفارقة التي يسلط عليها التقرير تبدو لافتة بشكل خاص في محيط مضيق جبل طارق، حيث تحولت الطائرات المسيّرة خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز أدوات الحرب الحديثة، بينما لا تزال مدريد تنتظر استكمال مسلسل بدأ منذ سنوات طويلة لتجهيز طائراتها من طراز “إم كيو-9 ريبر” بالأسلحة.

وبحسب المصدر ذاته، فإن إسبانيا أعلنت في أكثر من مناسبة أنها باتت قريبة من تسليح طائراتها المسيّرة، بدءاً من عام 2017، ثم مع وصول أولى طائرات “ريبر” سنة 2019، قبل أن يعود الملف بقوة سنة 2023، أولاً عبر إعلان نية تسليحها، ثم من خلال توقيع العقد، وصولاً إلى طلب جديد قدمته مدريد إلى شركة “لوكهيد مارتن” في غشت 2025.

ورغم كل هذه المحطات، فإن الطائرات الأربع الموجودة في قاعدة “تالافيرا لا ريال” لا تزال، بحسب التقرير، تحلق بالطريقة نفسها التي وصلت بها إلى إسبانيا عام 2019: من دون تسليح، وهو ما يجعل مسار هذا البرنامج محط تساؤلات متكررة داخل الأوساط المهتمة بالشأن الدفاعي الإسباني.

وهنا تكمن المفارقة التي يبرزها التقرير الإسباني؛ فالمسألة لم تعد، في نظر كاتبه، مجرد تأخير تقني عابر، خصوصاً أن العقد الأصلي لسنة 2015 كان يتضمن الأسلاك والدعامات اللازمة لتجهيز الطائرات، وإنما أصبحت تعكس بطئاً تحول إلى نمط متكرر في برنامج التسليح الإسباني.

في المقابل، اختار المغرب، وفق المصدر ذاته، مساراً مختلفاً تماماً. فعندما اقتنت الرباط طائرات “بيرقدار تي بي 2” التركية سنة 2021، وصلت ضمن صفقة تضمنت محطات التحكم والذخائر الموجهة، قبل أن تتجه المملكة لاحقاً إلى اقتناء طائرات “إم كيو-9 بي سي غارديان” الأمريكية مع طلب تجهيزها بصواريخ “هيلفاير” منذ البداية.

وبمعنى آخر، فإن المقارنة التي يطرحها التقرير واضحة: المغرب لم ينتظر سنوات طويلة لاتخاذ قرار بشأن تسليح طائراته المسيّرة، بل اتجه إلى اقتناء منظومات مسلحة وجاهزة للاستخدام العملياتي، ما سمح له بالانتقال سريعاً من مرحلة اقتناء المعدات إلى مرحلة توظيفها في الميدان.

والأهم من ذلك، بحسب المصدر، أن الأمر بالنسبة إلى المغرب لم يتوقف عند امتلاك السلاح، بل انتقل إلى مرحلة أكثر أهمية، وهي استخدامه فعلياً في الميدان، بما يرافق ذلك من تراكم للخبرة المرتبطة بالتشغيل والقيادة وتحديد الأهداف واتخاذ القرار.

فمنذ عودة التوتر العسكري في الصحراء المغربية، يقول التقرير إن القوات المسلحة الملكية راكمت خبرة في تشغيل الطائرات المسيّرة المسلحة ضمن حرب منخفضة الحدة ضد جبهة البوليساريو، مشيراً إلى هجمات باستخدام صواريخ صينية من طراز “بلو آرو 7” أطلقت من طائرات “وينغ لونغ”.

ويرى التقرير أن هذه الخبرة الميدانية تمنح المغرب أفضلية لا يمكن الحصول عليها بمجرد توقيع العقود أو اقتناء المعدات، لأن استخدام الطائرات المسيّرة المسلحة يفرض تطوير منظومة كاملة من قواعد الاشتباك، وآليات تحديد الأهداف، وسلسلة القيادة، وتقييم الأضرار، فضلاً عن تدريب الأطقم على اتخاذ القرارات في ظروف حقيقية.

وفي هذا السياق، يذهب كاتب التقرير إلى أن المغرب أمضى سنوات في معالجة هذه المسائل على أرض الواقع، بينما لا تزال إسبانيا في مرحلة استكمال الإجراءات التقنية والتنظيمية اللازمة لإدخال هذه القدرة إلى الخدمة، وهو فارق لا يتعلق فقط بالمعدات، بل أيضاً بالخبرة المتراكمة في تشغيلها.

أما بالنسبة إلى مدريد، فإن الطريق لا يزال طويلاً نسبياً. فحتى إذا اكتملت عملية تجهيز “ريبر” تقنياً بين نهاية 2026 و2027، فإن دخولها الفعلي إلى الخدمة المسلحة يتطلب تدريب واعتماد الأطقم، وتحديد قواعد الاشتباك، وربما تنفيذ عملية إطلاق تجريبية للتأهيل، قبل الانتقال إلى الاستخدام العملياتي الكامل.

ولهذا يتوقع التقرير أن يكون عام 2027 هو السيناريو المتفائل لدخول أول طائرة مسيّرة إسبانية مسلحة إلى الخدمة، بينما قد يمتد الموعد إلى 2028 في حال استمرار التأخير، بما يعني أن الفجوة في الخبرة العملياتية قد تستمر لسنوات إضافية.

ولا تبدو الصورة أفضل بالنسبة إلى برنامج “سيرتاب”، إذ يشير التقرير إلى أن نسخته المخصصة للمراقبة لن تدخل الخدمة قبل 2027، فيما لا تزال النسخة المسلحة غير معتمدة بشكل نهائي، ما يجعل عامي 2029 أو 2030 أقرب إلى التقديرات الواقعية بالنسبة إلى هذا المسار.

ومع ذلك، يحرص التقرير الإسباني على التأكيد بأن المقارنة بين البلدين لا ينبغي أن تؤخذ خارج سياقها العسكري والاستراتيجي، إذ إن الخبرة المغربية اكتسبت في سياق حرب منخفضة الحدة في الصحراء المغربية ضد خصم لا يمتلك دفاعات جوية متطورة، بينما تتمتع إسبانيا بمزايا استراتيجية كبيرة، من بينها قدراتها البحرية، وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، فضلاً عن صناعتها الدفاعية المتطورة.

لكن في مجال محدد، يقول التقرير الإسباني إن الأرقام لا تحتاج إلى كثير من التأويل: المغرب ست سنوات من الخبرة في استخدام المسيّرات المسلحة، وإسبانيا صفر سنوات من الخبرة العملياتية بهذا السلاح. وهي خلاصة تختزل، وفق التقرير، الفارق بين امتلاك المنظومة وبين اكتساب الخبرة الفعلية في استخدامها.

وهنا تحديداً تتضح أهمية السباق الجديد في سماء المنطقة، فالحرب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المقاتلات التقليدية، بل أصبحت الطائرات المسيّرة المسلحة والذخائر المتسكعة والطائرات الصغيرة الهجومية جزءاً أساسياً من معادلة القوة، وعنصراً متزايد الأهمية في مراقبة ساحات العمليات وتنفيذ الضربات الدقيقة.

وإذا صحت تقديرات التقرير، فإن مدريد قد تجد نفسها أمام مفارقة عسكرية لافتة: عندما تدخل أولى طائرات “ريبر” الإسبانية المسلحة الخدمة الفعلية، سيكون المغرب قد راكم سنوات إضافية من الخبرة في تشغيل الطائرات المسيّرة المسلحة في ظروف حقيقية، بما يجعل السباق لا يتعلق فقط بسرعة اقتناء السلاح، بل بسرعة تحويله إلى قدرة عملياتية.

وبذلك، فإن المسألة لا تتعلق فقط بمن يملك الطائرة أو الصاروخ، وإنما بمن يمتلك الخبرة في استخدام المنظومة كاملة، من الرصد وتحديد الهدف إلى اتخاذ القرار والتنفيذ والتقييم، وهي عناصر لا يمكن اختصارها في صفقة عسكرية أو إعلان رسمي عن قرب دخول السلاح إلى الخدمة.

وفي سباق عسكري يتغير بسرعة، قد تكون هذه الخبرة الميدانية أكثر قيمة من مجرد قائمة طويلة من العقود والإعلانات والوعود التي تقول، مرة بعد أخرى، إن السلاح “على وشك” أن يدخل الخدمة، خصوصاً في بيئة إقليمية أصبحت فيها المسيّرات جزءاً أساسياً من حسابات الردع والمراقبة والقدرة على تنفيذ العمليات.

ولعل المفارقة الأبرز أن إسبانيا، التي تراقب عن كثب التطور العسكري المغربي في محيطها الجنوبي، تجد نفسها اليوم أمام سؤال بسيط لكنه ثقيل: كم سنة أخرى ستحتاج مدريد حتى تتحول “ريبر” من طائرة استطلاع بلا مخالب إلى سلاح قادر فعلياً على خوض الحرب الحديثة؟

14/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts