kawalisrif@hotmail.com

حين تتحول الحماية في الرواية الإسبانية إلى مهندس للمغرب … مقال كاذب عن ماسمي ب “مجد فرنسا وإسبانيا في تاريخ المملكة”

حين تتحول الحماية في الرواية الإسبانية إلى مهندس للمغرب … مقال كاذب عن ماسمي ب “مجد فرنسا وإسبانيا في تاريخ المملكة”

يبدو أن بعض الأقلام الإسبانية لم تعد تكتفي بقراءة تاريخ المغرب من زاوية مواقف مدريد السياسية الراهنة، بل بدأت تبحث في دفاتر التاريخ عن وصفة أكثر إثارة: تحويل الحماية نفسها إلى “مهندس دولة”، ثم تقديم المغرب الحديث وكأنه هدية إدارية تركتها فرنسا وإسبانيا على مكتب جلالة المغفور له الملك محمد الخامس بعد الاستقلال. هذه هي الخلاصة التي يحاول مقال نشره موقع “إسكودو ديجيتال” تكريسها، حين يذهب إلى أن الحماية الفرنسية والإسبانية فككتا استقلالية القبائل، ومركزتا السلطة، وشيدتا الجهاز الإداري والعسكري الذي ورثته الملكية بعد 1956.

المشكلة ليست في مناقشة أثر الحماية والاستعمار في البنية الإدارية للدول، فهذا موضوع مشروع ومطروق في الدراسات التاريخية، وإنما في الطريقة التي يتحول بها التحليل إلى سردية مريحة جدا للمستعمر القديم. فبدل أن يبدأ المقال من حقيقة أساسية، وهي أن المغرب كان دولة ذات مؤسسات وسلطة مركزية وسلالة حاكمة وعلاقات دبلوماسية قبل الحماية، يبدأ من فرضية تختزل التاريخ المغربي في ثنائية “مناطق خاضعة” و”مناطق خارجة عن السيطرة”، ثم تجعل دخول الجيوش الأجنبية أشبه بعملية تحديث إداري واسعة النطاق.

والأكثر إثارة أن المقال يكاد يقدم الحماية باعتبارها صاحبة فضل تاريخي على المغرب. فرنسا وإسبانيا، بحسب هذه الرواية، لم تكونا مجرد قوتين فرضتا نظام حماية بالقوة، بل أصبحتا فجأة صاحبتَي مشروع “هندسة دولة” غير مقصود. هكذا يتحول الاحتلال إلى “إدارة”، والقمع إلى “توحيد”، وإعادة رسم المجال الترابي إلى “ترسيم للحدود”، بينما تختفي من الصورة المصالح الاستعمارية التي كانت وراء هذا كله، وكأن باريس ومدريد كانتا تعملان مجانا لصالح مستقبل المغرب.

ثم يأتي الحديث عن “بلاد السيبة” ليؤدي الدور المطلوب في هذه الحكاية. فالمقال يقدمها باعتبارها دليلا على أن السلطان لم يكن يسيطر إلا على نسبة محدودة من الأراضي، قبل أن تأتي فرنسا وإسبانيا لتفكيك البنية القبلية بالقوة. لكن وجود مناطق تتمتع باستقلالية قبلية أو محلية لا يعني تلقائيا غياب الدولة أو انعدام السيادة التاريخية. فالسلطة في المغرب، كما في كثير من الدول ما قبل الحديثة، لم تكن تقاس فقط بالحدود الخطية والجغرافية التي فرضها النموذج الأوروبي لاحقا، بل أيضا بالبيعة والشرعية الدينية وشبكات النفوذ والعلاقات السياسية والجبائية.

والأكثر دلالة أن المقال يصف ما قامت به الجيوش الاستعمارية بأنه “توحيد قسري” لجزء كبير من الأراضي المغربية، ثم يحاول تقديم النتيجة وكأنها إنجاز إداري تركه المستعمر للملكية. لكن السؤال الذي يتجاهله هذا المنطق بسيط للغاية: لماذا تحتاج قوة استعمارية إلى إخضاع القبائل بالقصف والمدفعية والطيران حتى تصبح فجأة “مهندسا للدولة”؟ وإذا كانت الغاية مجرد بناء الطرق والسكك الحديدية وتحديث الإدارة، فلماذا جاءت هذه العملية في سياق السيطرة العسكرية واستغلال الموارد وفرض نظام الحماية؟

الأغرب أن المقال نفسه يورد معطيات تكشف تناقضه. فهو يتحدث عن حملات عسكرية فرنسية وإسبانية شديدة العنف بين 1907 و1934، وعن استخدام إسبانيا للأسلحة الكيميائية خلال حرب الريف، ثم يقفز فوق هذه الوقائع ليخلص إلى أن القوى الاستعمارية “أزالت البنية المجزأة للبلاد”. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجا: هل المطلوب من القارئ أن يتذكر القصف وينسى الاستعمار، أم أن يتذكر البنية الإدارية وينسى الثمن الذي دفعه المغاربة مقابلها؟

أما حين يصل المقال إلى الريف، فإنه يختار بعناية زاوية واحدة للتاريخ، ثم يبني عليها سردية سياسية كاملة. فانتفاضة 1958-1959 موضوع تاريخي حقيقي وموثق، وقد تناولتها دراسات أكاديمية باعتبارها تمردا ارتبط بمطالب سياسية واجتماعية وجهوية، وقُمعت سنة 1959. لكن تحويل هذه المرحلة المعقدة إلى مفتاح لنسف تاريخ المغرب كله، ثم استعمالها لإعادة تلميع صورة إسبانيا في مليلية المحتلة، هو انتقال من البحث التاريخي إلى بناء رواية سياسية.

والأكثر وضوحا أن المقال يضع ثغر مليلية في قلب الحكاية باعتباره “ميناء نجاة” لآلاف الريفيين، ثم ينتهي إلى الإشارة إلى أن أحفاد هؤلاء يعيشون اليوم كمواطنين إسبان، بينما يعتبرهم المغرب “محتلين”. إنها قفزة زمنية وسياسية لافتة: من أحداث الريف في خمسينيات القرن الماضي إلى ملف مليلية في القرن الحادي والعشرين، وكأن المطلوب ليس فقط تفسير التاريخ، بل صناعة ذاكرة سياسية جديدة تخدم خطابا إسبانيا معاصرا حول المدينة المحتلة.

والمفارقة أن الموقع نفسه لا يخفي اهتمامه المكثف بملفات سبتة ومليلية المحتلتين وباقي التراب المغربي. ففي مواده الأخرى المنشورة خلال الأسابيع الأخيرة، يظهر خطاب يربط المغرب بملفات “الحرب الهجينة” والضغط على سبتة، كما ينشر مقالات تتناول ما يسميه “محاولات غزو” المدينة ومطالب المغرب الترابية. ولذلك يصعب قراءة المقال الجديد باعتباره دراسة تاريخية محايدة تماما؛ فاختيار الموضوع، وطريقة بناء المقدمة، والانتقال من تاريخ الريف إلى مليلية، كلها تجعل النص جزءا من نقاش سياسي أوسع حول المغرب وإسبانيا.

ثم تأتي العبارة الأكثر دلالة: فرنسا وإسبانيا قامتا بـ”العمل القذر” للتوحيد والتهدئة العسكرية، فيما استفادت الملكية من الدولة التي تركها الاستعمار. هذه العبارة وحدها تكشف حجم المشكلة في الرواية. فهي تمنح الاستعمار دور المقاول الذي أنجز الأشغال الصعبة، ثم سلم الدولة جاهزة إلى أصحابها. لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة. فالحماية لم تدخل المغرب بحثا عن مشروع خيري لبناء دولة حديثة، وإنما في سياق تنافس أوروبي على النفوذ والمصالح والموانئ والموارد والموقع الاستراتيجي.

نعم، ترك الاستعمار وراءه مؤسسات وطرقا وسككا وإدارة مركزية، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى إنكار. لكن السؤال التاريخي ليس: ماذا بنى الاستعمار؟ بل أيضا: لماذا بناه؟ ولمن كان موجها؟ وما الثمن الذي دفعه المغاربة؟ ومن استفاد اقتصاديا وسياسيا من تلك البنية؟ فاختزال التاريخ في قائمة من الطرق والسكك والبرقيات والموظفين والجيش النظامي يشبه الحديث عن بناية فخمة مع تجاهل سبب تشييدها والجهة التي كانت تملك مفاتيحها.

أما القول إن جلالة المغفور له الملك محمد الخامس “ورث” دولة جاهزة، فهو بدوره تبسيط شديد لمسار الاستقلال. فالمغرب لم يستيقظ سنة 1956 ليجد نفسه أمام دولة مصنعة بالكامل في ورشة باريس ومدريد. كانت هناك حركة وطنية، ونخب سياسية، ومقاومة مسلحة، ومؤسسات دينية واجتماعية، وشبكات اقتصادية، وشرعية ملكية، وصراع سياسي طويل ضد نظام الحماية. كما أن استعادة الاستقلال لم تكن مجرد استلام مفاتيح الإدارة، بل كانت إعادة ترتيب لعلاقة السلطة بالمجال والمجتمع والمؤسسات.

والأكثر طرافة أن المقال يريد في الوقت نفسه القول إن الاستعمار وحد المغرب، ثم يوحي بأن المغرب نفسه لم يكن قادرا على بناء دولته، ثم يستعمل هذه الفرضية لاحقا لتفسير قوة الملكية. أي أننا أمام معادلة غريبة: الاستعمار هو الذي بنى الدولة، والملكية هي التي ورثتها، ثم يصبح نجاح الدولة بعد الاستقلال دليلا إضافيا على فضل الاستعمار. إنها دائرة مغلقة لا تحتاج إلى وثائق جديدة بقدر ما تحتاج إلى كسر الفرضية التي بنيت عليها.

أما الحدود، فهنا تظهر عقدة أخرى. المقال يقول إن باريس ومدريد رسمتا الحدود الحديثة للمغرب، ثم يشير إلى أن هذه الخريطة أصبحت لاحقا أساسا للمطالبات المغربية. وهذه المفارقة تستحق التوقف: إذا كانت القوى الاستعمارية قد رسمت الحدود لمصالحها الخاصة، فلماذا تصبح خرائطها فجأة المرجع الوحيد للحكم على التاريخ المغربي؟ ولماذا يتم التعامل مع الخرائط الاستعمارية باعتبارها نهاية التاريخ، بينما يتم تجاهل كل ما سبقها من روابط سياسية ودينية واقتصادية وبشرية؟

والحقيقة أن أخطر ما في المقال ليس ما يقوله عن فرنسا وإسبانيا، وإنما ما يحاول إسقاطه على المغرب اليوم. فالرسالة الضمنية واضحة: المغرب الموحد حديثا هو نتاج الاستعمار، والملكية استفادت من آلة استعمارية، وبالتالي فإن سردية الوحدة الترابية المغربية يمكن إعادة تفكيكها من خلال العودة إلى خرائط المرحلة الاستعمارية. إنها محاولة تبدو تاريخية في ظاهرها، لكنها تلامس مباشرة أكثر الملفات حساسية في السياسة الإسبانية تجاه المغرب.

وهنا يصبح من الضروري التمييز بين أمرين: نقد تاريخ الدولة المغربية، وهو حق مشروع ومفيد، وبين تحويل التاريخ إلى أداة لتبرير استمرار الاحتلال أو التشكيك في الذاكرة الوطنية. فليس من الموضوعية أن تتحول مآسي الريف إلى ورقة لإعادة إنتاج خطاب سياسي حول مليلية، كما ليس من النزاهة العلمية أن تتحول البنية الإدارية التي أنشأتها الحماية إلى شهادة حسن سيرة للاستعمار.

واللافت أن الموقع نفسه يضع المقال إلى جانب مواد أخرى عن “الحدود الحقيقية” للمغرب، وسبتة ومليلية، و”محاولات الغزو”، ما يكشف أن الموضوع لا يعيش في فراغ تحريري. ولذلك فإن الرد على هذه الرواية لا يكون بإنكار التاريخ أو بتجميل أي مرحلة منه، بل بإعادة وضع كل واقعة في سياقها: الاستعمار استعمار، والمقاومة مقاومة، وبناء الدولة بعد الاستقلال مسار مغربي شاركت فيه مؤسسات وقوى اجتماعية وسياسية وطنية.

وفي النهاية، قد يكون أكثر ما يثير السخرية في هذه الرواية أن الاستعمار، الذي دخل المغرب باسم الحماية، يريد بعض ورثته الخطابيين اليوم أن يدخل التاريخ باسم “باني الدولة”. وكأن القنابل تصبح أدوات توحيد، والاحتلال يتحول إلى ورشة هندسة إدارية، والخرائط التي رسمتها القوى الأجنبية تتحول إلى شهادة نهائية على تاريخ البلاد. أما المغرب، فيُطلب منه أن يكون مجرد المستفيد الصامت من مشروع لم يصنعه.

لكن التاريخ أكثر تعقيدا من هذه الوصفة الجاهزة. نعم، فرنسا وإسبانيا تركتا أثرا عميقا في مؤسسات المغرب وبنيته الإدارية والعمرانية والعسكرية، وهذه حقيقة لا ينكرها الباحث الجاد. لكن تحويل هذا الأثر إلى “فضل استعماري” شيء آخر تماما. فالدولة المغربية الحديثة لم تبدأ مع أول جندي فرنسي أو إسباني، كما أن المغرب لم ينته عند آخر جندي غادر أراضيه. وبين التاريخين توجد مقاومة وحركة وطنية وملكية ومجتمع، ومسار طويل من إعادة بناء الدولة بعد الاستقلال.

وبينما يحاول المقال تقديم الاستعمار كمهندس صامت للمغرب الحديث، فإن الوقائع نفسها تقول شيئا أكثر تعقيدا: القوى الاستعمارية أعادت تشكيل المجال المغربي بما يخدم مصالحها، والمغاربة بعد الاستقلال أعادوا توظيف جزء من تلك المؤسسات في بناء دولتهم الوطنية. الفرق بين الأمرين ليس تفصيلا لغويا، بل هو الفرق بين أن تكتب تاريخ المغرب بعيون أهله، أو أن تعيد كتابته من أرشيف القوة التي احتلته.

20/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts