يبدو أن السلطات الجزائرية نجحت في إنتاج مفارقة سياسية وقضائية يصعب العثور على مثيل لها: كاتب يخرج من السجن بعفو رئاسي، ثم يعلن رفضه لهذا العفو، ويطالب بالعودة إلى البلد نفسه من أجل محاكمة جديدة، ولكن هذه المرة بحضور محامين ومراقبين دوليين.
إنها ليست حبكة في رواية سياسية، بل آخر فصول قضية بوعلام صنصال، الكاتب الفرنسي-الجزائري الذي خرج من السجن الجزائري بعد 361 يوماً من الاحتجاز، إثر عفو رئاسي صدر في نوفمبر 2025، قبل أن يعود اليوم ليقول إن ذلك العفو لا يمثل، بالنسبة إليه، تسوية للقضية، بل مجرد صفحة يريد تمزيقها وإعادة فتح الملف من بدايته.
ولم يكتف صنصال برفض العفو، بل وصفه، في حواره مع منصة “نيس ماتان”، بأنه “عار وجرح”، مؤكداً أنه يريد محاكمة يعتبرها “حقيقية”، بحضور محاميه ومراقبين دوليين، أملاً في الحصول على براءة يرى أنها يجب أن تأتي عبر مسار قضائي يستوفي شروطه.
وهنا تحديداً تبدأ الجزائر في مواجهة السؤال الأصعب: إذا كان العفو الرئاسي هو الحل الذي أنهى الملف، فلماذا يريد صاحب القضية نفسه إسقاط هذه الصفحة والعودة إلى قفص الاتهام؟
المفارقة أن صنصال لا يتحدث عن العودة إلى الجزائر للاعتذار أو طلب الصفح، وإنما للعودة إلى المحكمة. وهذا وحده كافٍ لإعادة تسليط الضوء على طبيعة القضية التي فجرت التوتر بين الكاتب والسلطات الجزائرية، بعدما أوقف عقب عودته من فرنسا، على خلفية تصريحات صحافية تحدث فيها عن أن مناطق واسعة من الغرب الجزائري كانت تاريخياً تابعة للمغرب.
ولم تبقَ القضية قضائية فقط، إذ تحولت سريعاً إلى ملف سياسي ودبلوماسي، خصوصاً بعدما صدر حكم بسجن صنصال خمس سنوات، قبل أن يأتي الإفراج عنه في إطار عفو رئاسي قالت الرئاسة الجزائرية آنذاك إنه جاء استجابة لطلب خاص من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير.
لكن المفاجأة الحالية تكمن في أن الرجل الذي استفاد من العفو يقول إنه لم يطلب هذه التسوية، بل يريد إعادة فتح الملف، ويستعد، بحسب تصريحاته، للجوء إلى هيئات قضائية دولية، بدعوى تعرضه لاحتجاز يعتبره تعسفياً. كما يقول إن ملفاً أعده محاموه بات جاهزاً لهذه الخطوة.
وهكذا تتحول القضية من مجرد قصة كاتب دخل السجن ثم خرج منه، إلى اختبار جديد لصورة العدالة والسلطة في الجزائر. فالعفو، الذي يفترض عادة أن يغلق الملف، أصبح في هذه الحالة سبباً إضافياً لإبقائه مفتوحاً في النقاش العام.
والأكثر إحراجاً أن صنصال يقول إنه أبلغ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير برفضه للعفو. أي أن التسوية التي احتاجت إلى تدخل دبلوماسي دولي لإنهاء الاحتجاز، عادت لتجد نفسها أمام صاحب القضية نفسه وهو يقول: لا أريد هذه التسوية.
ولعل أكثر ما يلفت في المشهد أن الكاتب لا يكتفي بانتقاد الطريقة التي انتهى بها ملفه، بل ينتقد أيضاً المقاربة الدبلوماسية الفرنسية التي ساهمت في إطلاق سراحه، معتبراً أن الحل السياسي لم يعالج جوهر القضية. ووفق تصريحاته، فهو يفضل مواجهة مباشرة قائمة على ما يسميه “ميزان القوى”، حتى لو كانت كلفة ذلك العودة إلى السجن.
وبينما تحاول الجزائر طيّ ملف صنصال بالعفو، يبدو أن صاحب الملف نفسه مصرّ على إعادة فتحه من الباب الذي خرج منه: باب القضاء.
والمفارقة هنا أن السجين السابق لا يطالب بمزيد من الحرية، بل يطالب، على الأقل وفق روايته، بإعادة محاكمته. والسلطة التي أغلقت الملف بقرار عفو تجد نفسها أمام رجل يقول إن المشكلة لم تكن في مدة سجنه فقط، وإنما في الطريقة التي عولج بها الملف برمته.
وبذلك، فإن قضية بوعلام صنصال لم تعد مجرد خلاف بين كاتب وسلطة، بل أصبحت مرآة تعكس أسئلة أكبر حول حدود العفو الرئاسي، واستقلال المسار القضائي، ومدى قدرة التسويات السياسية على إغلاق ملفات تظل أسبابها الأساسية قائمة.
أما الجزائر، التي اختارت العفو لإسدال الستار على القضية، فتجد نفسها اليوم أمام مشهد غير مألوف: صاحب العفو يرفضه، والسجين السابق يريد العودة إلى المحكمة، والملف الذي كان يفترض أن يُغلق بقرار رئاسي يجد طريقه مجدداً إلى الواجهة الدولية.
وهكذا، بدلاً من أن تكون كلمة “العفو” هي نهاية القصة، تحولت في قضية صنصال إلى بداية فصل جديد أكثر إحراجاً وتعقيداً.
20/09/2026