لم يعد التلوث البلاستيكي في المغرب مجرد إشكال بيئي مرتبط بتراكم النفايات وتشوه المجال الطبيعي، بل تحول إلى عبء اقتصادي متزايد، قد تصبح فاتورته أكثر ثقلاً خلال السنوات المقبلة إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة للحد من حجم التسربات البلاستيكية.
وتكشف معطيات تقرير حديث لمنظمة “غرينبيس”، يحمل عنوان “الثمن الخفي للبلاستيك”، أن الأضرار المرتبطة بالتلوث البلاستيكي تكلف المغرب حوالي 1.2 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل نحو 0.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
واللافت في هذه التقديرات أنها لا تشمل كامل التراب الساحلي للمملكة، إذ ركز التقرير على الأضرار البحرية المسجلة بمحاذاة الساحل المتوسطي، الممتد على نحو 393 كيلومتراً، من دون إدراج الخسائر المحتملة على الساحل الأطلسي، الذي يحتضن الجزء الأكبر من السكان والأنشطة الاقتصادية والصناعية.
وترى “غرينبيس” أن استمرار التعامل مع الوضع بالوتيرة الحالية قد يقود إلى فاتورة مالية ضخمة خلال السنوات المقبلة. ووفق السيناريوهات التي أوردها التقرير، فإن استمرار الوضع إلى غاية سنة 2040 قد يرفع التكلفة التراكمية إلى ما بين 13.4 و44.3 مليار دولار، فيما يبلغ متوسط التقديرات حوالي 22 مليار دولار.
ويرتبط هذا السيناريو، بحسب التقرير، بالارتفاع المتوقع في كميات النفايات التي لا تخضع لتدبير ملائم، إلى جانب تنامي حجم البلاستيك الذي ينتهي في البحر. ومع مرور الوقت، ستصبح معالجة النفايات المتراكمة في البيئة البحرية، خصوصاً في قاع البحر، أكثر تعقيداً وكلفة.
وتبرز الأرقام المتعلقة بإنتاج النفايات حجم التحدي المطروح. فالمغرب ينتج سنوياً حوالي 3.97 ملايين طن من النفايات الصلبة، من بينها نحو 422 ألف طن من المواد البلاستيكية. ومن هذه الكمية، يقدر التقرير بحوالي 250 ألف طن حجم النفايات البلاستيكية التي يتم تدبيرها بطريقة غير سليمة، بينما يصل نحو 75 ألف طن سنوياً إلى البحر.
ويمثل هذا الرقم الأخير حوالي 17.8 في المائة من مجموع البلاستيك المنتج وطنياً، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، حجم الثغرات التي ما تزال قائمة في منظومة جمع النفايات ومعالجتها.
وتتجلى إحدى أبرز هذه الاختلالات في الفارق الكبير بين المدن والمناطق القروية. ففي سنة 2019، بلغت نسبة جمع النفايات في الوسط الحضري حوالي 96 في المائة، مقابل 10 في المائة فقط في المناطق القروية، ما يكشف محدودية استفادة عدد كبير من التجمعات السكنية خارج المدن من خدمات تدبير النفايات.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على البيئة، إذ يلفت التقرير إلى الضغط المالي المتزايد الذي يمارسه قطاع النفايات على ميزانيات الجماعات الترابية. فقد استحوذت نفقات تدبير النفايات على ما يصل إلى 28 في المائة من الميزانيات الإجمالية لبعض الجماعات الحضرية إلى حدود سنة 2020، في وقت تراكمت فيه فواتير وديون غير مؤداة لفائدة الشركات المفوض لها تدبير هذا القطاع.
وفي الجانب الصناعي، يكشف التقرير عن مفارقة أخرى، تتمثل في اعتماد شركات تحويل البلاستيك بالمغرب بنسبة تصل إلى 70 في المائة على المواد الأولية المستوردة، مقابل توجيه حوالي 9 في المائة فقط من إنتاجها إلى الأسواق الخارجية.
وترى “غرينبيس” أن الحد من الاعتماد على البلاستيك البكر لن يكون بالضرورة عبئاً على الصناعة الوطنية، بل يمكن أن يشكل فرصة اقتصادية، من خلال تقليص حجم الواردات وتشجيع استعمال بدائل أكثر استدامة. وتستند المنظمة في ذلك إلى كون المغرب لا يتوفر على صناعة بتروكيماوية محلية لإنتاج البوليمرات الخام.
وعلى المستوى التشريعي، يشير التقرير إلى أن المغرب اتخذ في وقت مبكر عدداً من الخطوات لتنظيم استعمال الأكياس البلاستيكية، بدءاً بالقانون 22.10 الصادر سنة 2010، وصولاً إلى القانون 77.15 لسنة 2015، الذي ارتبط بمبادرة “زيرو ميكا”.
غير أن وجود ترسانة قانونية، وفق التقرير، لم يكن كافياً وحده لمعالجة المشكلة، في ظل استمرار اختلالات مرتبطة بضعف عمليات الفرز من المصدر ومحدودية قدرات إعادة التدوير.
وبناء على ذلك، تدعو “غرينبيس” إلى اتخاذ مجموعة من التدابير، من بينها إعادة تشغيل مراكز الفرز المتوقفة، وتوسيع خدمات جمع النفايات في المناطق القروية بما يسمح بتغطية 90 في المائة من السكان غير المستفيدين حالياً.
كما توصي المنظمة بتوسيع نطاق تطبيق مبدأ “المسؤولية الموسعة للمنتجين” ليشمل مختلف مواد التغليف، إلى جانب توفير التمويل الضروري لتنفيذ خارطة الطريق الخاصة بإدماج العاملين في القطاع غير الرسمي لجمع وتدوير النفايات.
وترى المنظمة أن إدماج هؤلاء العاملين لا يرتبط فقط بالبعد البيئي، وإنما يشكل أيضاً جزءاً من تحقيق انتقال بيئي عادل يراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للفئات التي تعتمد على هذا النشاط.
ويضع التقرير الوضع المغربي في إطار أوسع مرتبط بأزمة التلوث البلاستيكي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، حيث تختلف حجم الأضرار والتكاليف من بلد إلى آخر.
وتأتي مصر في مقدمة الدول الثلاث التي تناولها التقرير من حيث حجم الأضرار، بتكلفة سنوية تتراوح بين 0.74 و3.1 مليارات دولار، فيما يساهم نهر النيل بنحو ربع كمية البلاستيك التي تصل إلى البحر الأبيض المتوسط.
أما تونس، فتقدر تكلفة الأضرار الناجمة عن التلوث البلاستيكي فيها بحوالي 400 مليون دولار سنوياً، رغم تسجيلها أفضل أداء في مجال إدارة النفايات مقارنة بالدول الثلاث التي شملها التقرير، فضلاً عن عدم توفرها هي الأخرى على إنتاج محلي للبلاستيك البكر.
وتضع هذه المعطيات المغرب أمام معادلة تتجاوز مجرد تنظيف الشواطئ أو التخلص من النفايات، لتطرح تحدياً يرتبط بكلفة اقتصادية متصاعدة، وبمدى قدرة منظومة تدبير النفايات على الانتقال من معالجة آثار التلوث إلى منع وصول البلاستيك إلى البيئة من الأساس.
04/10/2026