صحيفة إسبانية تدق ناقوس الخطر أمام الصعود المينائي المغربي، وتكشف كيف تحولت المملكة من مجرد منافس جغرافي إلى قوة لوجستية وطاقية تهدد المواقع التقليدية للموانئ الإسبانية في غرب المتوسط.. والقلق في مدريد لم يعد من السفن المغربية، بل من المستقبل الذي تبنيه المملكة على مرمى حجر من سواحلها!
لم يعد المغرب يكتفي بمراقبة حركة التجارة البحرية من الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، بل بات يعيد رسم خريطتها الاقتصادية والاستراتيجية، مستنداً إلى رؤية ملكية بعيدة المدى حولت الموانئ المغربية إلى أوراش عملاقة تستقطب الاستثمارات العالمية وتنتزع تدريجياً مواقع النفوذ من الموانئ الأوروبية التقليدية.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه بعض الأوساط الإسبانية تتعامل مع المنافسة البحرية بمنطق الحسابات القديمة، تستعد المملكة لإطلاق ميناء “الناظور غرب المتوسط” خلال الربع الأخير من سنة 2026، في مشروع لا يمثل مجرد إضافة إلى البنية التحتية الوطنية، بل إعلاناً عن دخول شرق المغرب مرحلة جديدة من التموقع الاقتصادي والبحري.
ويمتد الميناء، الذي يبعد نحو 50 كيلومتراً عن مليلية المحتلة، على طول 5.4 كيلومترات من الأرصفة، بعمق يصل إلى 18 متراً، بما يسمح باستقبال أضخم سفن الحاويات في العالم، مع قدرة أولية مرتقبة تتراوح بين 3 و5.5 ملايين حاوية نمطية، في أفق بلوغ التشغيل الكامل سنة 2030.
إنها أرقام كافية لإرباك الحسابات الإسبانية، خصوصاً أن المشروع لا يدخل المنافسة من الباب الضيق، بل من بوابة منظومة متكاملة تجمع بين النقل البحري والصناعة والطاقة والتجارة الدولية.
صحيفة إسبانية لم تخفِ حجم القلق من هذا التحول، معتبرة أن التوسع الاستثنائي لميناء طنجة المتوسط، إلى جانب اقتراب تشغيل الناظور غرب المتوسط، يشكل تحدياً مباشراً للقدرة التنافسية والريادة اللوجستية لموانئ الجزيرة الخضراء وفالنسيا وبرشلونة.
والأكثر دلالة أن الصحيفة لم تتعامل مع المشروع المغربي باعتباره ورشاً اقتصادياً عادياً، بل وضعته في سياق إعادة توزيع النفوذ داخل مضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تعبره نحو 10 في المائة من التجارة البحرية الدولية، بما يقارب 100 ألف سفينة سنوياً.
هنا تحديداً تبدأ القصة الحقيقية: المغرب لم يعد يطلب حصة من السوق البحرية، بل أصبح ينافس على قواعد اللعبة نفسها، فيما يبدو أن بعض الأصوات الإسبانية لم تستوعب بعد أن الجغرافيا التي منحت موانئها امتيازاً تاريخياً ليست صك احتكار أبدي.
فالمشروع، الذي يحظى بالتتبع الملكي، راكم استثمارات عمومية تناهز مليار يورو، من بينها 310 ملايين يورو من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في مؤشر إضافي على الثقة الدولية في الجدوى الاقتصادية والاستراتيجية لهذا الورش.
غير أن اللافت في القراءة الإسبانية هو تحول الاستثمار المغربي نفسه إلى مصدر انزعاج، إذ تتحدث الصحيفة عن استياء داخل الأوساط الاقتصادية الأندلسية بسبب مساهمة أموال أوروبية في تمويل منشأة تنافس الموانئ الإسبانية.
وكأن المغرب مطالب، بموجب قواعد غير مكتوبة في بعض المخيلات، بأن يظل سوقاً استهلاكية وممراً جغرافياً تابعاً، لا أن يتحول إلى قطب صناعي وتجاري قادر على استقطاب الشركات والسفن والاستثمارات.
إنها مفارقة تستحق التوقف: حين يستثمر المغرب، يصبح الاستثمار مصدر قلق، وحين ينجح ميناء مغربي، تتحول المنافسة إلى تهديد، وكأن المطلوب أن تبقى الموانئ المغربية في وضعية انتظار حتى لا تزعج راحة نظيراتها الإسبانية!
ولم تقف المخاوف الإسبانية عند حدود الناظور، إذ يحذر المعهد الإسباني للدراسات الاستراتيجية من قدرة المغرب على استقطاب الاستثمارات وحركة النقل البحري في غرب المتوسط، داعياً إلى ضخ تحفيزات ضريبية واستثمارية في منطقة جبل طارق الإسبانية لمواجهة المنافسة المغربية.
والأكثر إحراجاً أن الطاقة القصوى المرتقبة للناظور غرب المتوسط، والمحددة في 5.5 ملايين حاوية، تضاهي الطاقة الحالية لميناءي الجزيرة الخضراء وفالنسيا، وتتجاوز بكثير حجم مناولة ميناء برشلونة، البالغ 3.8 ملايين حاوية، وفق الأرقام التي أوردتها الصحيفة الإسبانية.
أما في المجال الطاقي، فإن المشروع يذهب أبعد من مجرد استقبال السفن وتفريغ الحاويات، إذ يستهدف مناولة 25 مليون طن من المحروقات، و7 ملايين طن من الفحم، و3 ملايين طن من البضائع الأخرى سنوياً، بما يؤهله للتحول إلى مركز طاقي إقليمي.
ويعمل المغرب، في السياق ذاته، على بلورة مشاريع للربط بخط أنابيب الغاز المغاربي الأوروبي، وبالشبكة الغازية الممتدة على طول الساحل الأطلسي، في إطار رؤية تجعل من الموانئ بوابات للتجارة والطاقة والصناعة، لا مجرد أرصفة إسمنتية تنتظر وصول السفن.
وتتوقع المملكة إحداث أكثر من 100 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر في محيط الناظور غرب المتوسط ومنطقته الصناعية واللوجستية، بما يضع الأقاليم الشرقية أمام فرصة تاريخية للانتقال من هامش جغرافي طال انتظاره إلى قلب معادلة الاستثمار والتبادل الدولي.
ولعل أكثر ما يزعج بعض الأصوات الإسبانية أن هذا المشروع لا يأتي منفرداً، بل يشكل حلقة ضمن منظومة وطنية متكاملة، تمتد من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط، مروراً بموانئ الدار البيضاء والجرف الأصفر وآسفي وأكادير والمحمدية، في شبكة تتوسع وظائفها الصناعية والطاقية واللوجستية باستمرار.
لقد حسم طنجة المتوسط جانباً مهماً من النقاش قبل سنوات. فمنذ افتتاحه سنة 2007 وتوسيعه سنة 2019، انتقل من مشروع كان البعض ينظر إليه بتحفظ إلى أكبر ميناء في إفريقيا، بعدما عالج 10.24 ملايين حاوية نمطية سنة 2024، مقابل 4.7 ملايين فقط بميناء الجزيرة الخضراء.
أي أن الميناء المغربي لم يكتفِ بمنافسة نظيره الإسباني، بل تجاوزه بأكثر من الضعف، وفق الأرقام التي استندت إليها الصحيفة نفسها.
وهنا يصبح الحديث عن “التهديد المغربي” أقرب إلى اعتراف متأخر بأن الرهان على الموقع الجغرافي وحده لم يعد كافياً لضمان التفوق، وأن السفن لا تختار موانئها بدافع المجاملة التاريخية، بل وفق حسابات الكلفة والسرعة والنجاعة.
فالمغرب لا ينافس إسبانيا بموقعه فقط، بل بالاستثمار في البنية التحتية، وتطوير المناطق الصناعية، واستقطاب كبريات شركات الملاحة، وربط الموانئ بممرات النقل والاقتصاد والطاقة.
وتكشف الصحيفة أن شركات عالمية من قبيل “إم إس سي” و”ميرسك” و”هاباغ لويد” تتجه إلى توظيف موانئ شمال إفريقيا في عمليات إعادة شحن الحاويات، مستفيدة من اختلاف الأعباء التنظيمية والضريبية بين الضفتين.
وتزداد حساسية الملف مع تطبيق النظام الأوروبي لتداول حصص الانبعاثات، الذي يرفع تدريجياً نسبة الانبعاثات البحرية المشمولة به إلى 70 في المائة سنة 2026 و100 في المائة سنة 2027.
وتشير تقديرات أوردها المقال إلى إمكانية وصول التكلفة الإضافية إلى 150 ألف يورو للسفينة الواحدة، وهو ما يضع الموانئ الأوروبية أمام معادلة صعبة: إما تحسين تنافسيتها، أو مشاهدة جزء من حركة التجارة ينتقل إلى موانئ خارج نطاق هذه الرسوم.
ولم يعد هذا التخوف مجرد تحليل صحفي، بل امتد إلى تصريحات مسؤولي القطاع البحري الإسباني، حيث حذر رئيس الجمعية الإسبانية لملاك السفن، فيسنتي بولودا فوس، من تحول الرسوم البيئية الأوروبية إلى عبء مالي إضافي إذا لم تتم إعادة استثمار عائداتها في إزالة الكربون من القطاع.
كما تحذر موانئ الجزيرة الخضراء وبرشلونة وفالنسيا ولاس بالماس من خسارة حصص في سوق إعادة شحن البضائع أمام المنافسة القادمة من شمال إفريقيا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل المشكلة في نجاح الموانئ المغربية، أم في عجز بعض الموانئ الإسبانية عن مواكبة التحولات الجديدة؟
فالمغرب لم يفرض على الشركات العالمية اختيار موانئه، ولم يجبر السفن على تغيير مساراتها، وإنما استثمر في الموقع والبنية التحتية والربط اللوجستي، وقدم عرضاً تنافسياً جعل القرار التجاري يتجه نحو الضفة الجنوبية.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه بعض القراءات الإسبانية بتصوير التوسع المغربي باعتباره عملية لإضعاف المدن الإسبانية، يواصل المغرب بناء أوراشه وفق حسابات التنمية الوطنية ومصالحه الاقتصادية، دون أن يكون مطالباً بتجميد طموحاته حمايةً لامتيازات تاريخية لم تعد مضمونة.
وتتجاوز طموحات الناظور غرب المتوسط قطاع الحاويات إلى الرهان الطاقي، من خلال محطات لتخزين وتوزيع المحروقات والغاز الطبيعي، مع آفاق مستقبلية للهيدروجين الأخضر.
وهو رهان يضع المغرب في قلب التحولات التي تعرفها سوق الطاقة الأوروبية، خصوصاً مع سعي ألمانيا وهولندا وشمال فرنسا إلى تنويع مصادر الإمداد وتعزيز أمنها الطاقي.
وتشير قراءة استراتيجية أوردتها الصحيفة، استناداً إلى تقرير لوزارة الدفاع الإسبانية، إلى أن الهيدروجين الأخضر يعيد رسم خريطة الطاقة الأوروبية من محور شرقي-غربي تقليدي إلى ممر جنوبي-شمالي، تنطلق عبره الطاقات المتجددة من المتوسط وشمال إفريقيا نحو المراكز الصناعية الأوروبية.
وفي هذا المشهد، لا يريد المغرب أن يكون مجرد أرض عبور للطاقة، بل يطمح إلى أن يصبح منتجاً ومصدراً وشريكاً استراتيجياً، مستفيداً من إمكاناته في الطاقات المتجددة وموقعه البحري وشبكة موانئه المتنامية.
أما إسبانيا، التي بدأت تستشعر حجم التحول، فقد دخلت بدورها سباق ضخ الاستثمارات في موانئها.
فالجزيرة الخضراء تعتزم تعبئة 1.383 مليار يورو إلى غاية 2030، مع طموح بلوغ 9 ملايين حاوية سنة 2035، فيما يسعى ميناء فالنسيا إلى رفع قدرته الإجمالية إلى 12 مليون حاوية، باستثمار عمومي وخاص يبلغ 1.6 مليار يورو في محطته الجديدة.
كما رصد ميناء برشلونة 1.2 مليار يورو ضمن مخططه الاستراتيجي للفترة 2026-2030.
وإذا كانت هذه الاستثمارات تعكس حق الموانئ الإسبانية في تطوير قدراتها، فإنها تكشف في الوقت ذاته أن المنافسة المغربية أصبحت عاملاً حاسماً في إعادة ترتيب أولوياتها.
والأكثر إحراجاً للمقاربة الإسبانية أن التحدي لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات، بل أيضاً بسرعة الإنجاز والنجاعة التشغيلية والأتمتة، وهي عناصر صُمم ميناءا طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط على أساسها.
وهنا تتضح المفارقة: بينما تتحدث بعض الأصوات الإسبانية عن ضرورة حماية مواقعها البحرية، يواصل المغرب بناء قدراته، ويجعل من موانئه منصات للإنتاج والتصدير والتشغيل والاستثمار، في معادلة لا تعترف إلا بالكفاءة والقدرة على المنافسة.
إن ما يحدث ليس مجرد سباق بين أرصفة وسفن ورافعات، بل تحول في ميزان القوة الاقتصادية بغرب المتوسط، عنوانه الأبرز أن المغرب لم يعد ينتظر أن تمنحه الجغرافيا مكانة، بل يصنع هذه المكانة بالاستثمار والتخطيط والرؤية الاستراتيجية.
ومن طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط، تتقدم المملكة بخطى ثابتة نحو ترسيخ موقعها كقوة بحرية ولوجستية وطاقية إقليمية، فيما تجد الموانئ الإسبانية نفسها أمام حقيقة يصعب الالتفاف عليها: الضفة الجنوبية لم تعد مجرد ممر نحو أوروبا، بل أصبحت منافساً صناعياً وتجارياً يمتلك من الطموح والإمكانات ما يكفي لانتزاع مكانه في قلب التجارة العالمية.
والأطرف في كل هذا أن بعض الأصوات الإسبانية تتعامل مع الموانئ المغربية كما لو أن من حقها الاعتراض على إبحار سفنها، أو مطالبة المغرب بالاستئذان قبل بناء مستقبله! لكن الحقيقة أبسط من كل هذا الضجيج: المغرب لا يبني موانئه لإزعاج أحد، غير أنه لن يؤجل نهضته حتى تطمئن موانئ الآخرين، ولن يطلب من سفنه أن تنتظر على الرصيف لأن المنافسة أزعجت الجيران!
04/10/2026