تتجه البوسنة والهرسك، اليوم الأحد، إلى صناديق الاقتراع في انتخابات عامة حاسمة، وسط مشهد سياسي مثقل بالانقسامات العرقية والمؤسساتية، وأوضاع اقتصادية واجتماعية تزيد من إحباط المواطنين، فيما يظل حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي رهينا بقدرة الطبقة السياسية على تجاوز خلافاتها وإطلاق الإصلاحات المتعثرة.
ويشارك نحو 3.4 ملايين ناخب مسجل في هذه الانتخابات، التي تشمل أعضاء مجلس الرئاسة الثلاثي، وبرلمان الدولة، إلى جانب مؤسسات تشريعية وتنفيذية على مستوى الكيانين اللذين تتكون منهما البلاد، وهما اتحاد البوسنة والهرسك وجمهورية صرب البوسنة.
وتجري الانتخابات في بلد لا تزال بنيته السياسية تعكس إلى حد كبير إرث اتفاق دايتون للسلام الذي أنهى الحرب بين عامي 1992 و1995، لكنه أبقى البوسنة والهرسك مقسمة وفق توازنات إثنية معقدة بين البوشناق والصرب والكروات، وهو ما جعل المؤسسات المركزية عرضة باستمرار للتجاذبات والعرقلة السياسية.
وتتنافس الأحزاب ذات المرجعيات الإثنية، إلى جانب قوى سياسية متعددة الإثنيات، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تجاوز منطق الانقسام القومي والتركيز على الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، وعلى رأسها التشغيل والقدرة الشرائية والهجرة والخدمات العمومية.
ولا تخفي الانتخابات حجم الأزمة التي تعيشها البلاد، إذ لا يزال النظام السياسي عاجزا عن إنتاج توافقات مستقرة تسمح بتنفيذ الإصلاحات الضرورية، بينما تتواصل الخلافات بشأن صلاحيات مؤسسات الدولة المركزية ومستقبل جمهورية صرب البوسنة.
ويظل اسم ميلوراد دوديك، الزعيم السياسي الأبرز في جمهورية صرب البوسنة، حاضرا بقوة في المشهد، رغم عدم ترشحه في هذه الانتخابات، بسبب مواقفه الداعية إلى تعزيز استقلالية الكيان الصربي وعلاقاته الوثيقة مع موسكو وبلغراد، وهي مواقف أثارت مخاوف غربية من إمكانية تصاعد التوترات مجددا في منطقة البلقان.
ويرى مراقبون أن استمرار هيمنة الأحزاب القائمة على أسس إثنية، مع بقاء الخلافات بشأن مستقبل البلاد، قد يؤدي إلى إطالة أمد الشلل المؤسساتي، وبالتالي تعطيل الإصلاحات المطلوبة للانتقال من مرحلة ما بعد الحرب إلى دولة أكثر استقرارا وانسجاما مع المعايير الأوروبية.
وبعيدا عن الخطابات القومية والتجاذبات السياسية، تفرض الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية نفسها باعتبارها إحدى أهم القضايا التي تشغل الناخبين. فالبوسنة والهرسك لا تزال تواجه نموا اقتصاديا متواضعا، وارتفاعا في تكاليف المعيشة، ومحدودية فرص الشغل، إلى جانب نزيف ديموغرافي مستمر نتيجة هجرة أعداد كبيرة من الشباب بحثا عن فرص أفضل في دول الاتحاد الأوروبي.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الفجوة بين مستويات الدخل في البوسنة والهرسك ومتوسط الاتحاد الأوروبي لا تزال واسعة، فيما لا يوفر النمو الاقتصادي الحالي ما يكفي لتقليص هذه الهوة بالسرعة التي ينتظرها المواطنون.
وهكذا يجد المواطن البوسني نفسه أمام مفارقة واضحة: بلد يطمح إلى الالتحاق بالاتحاد الأوروبي، لكنه يفقد في الوقت نفسه جزءا من طاقاته البشرية لصالح الدول الأوروبية التي تستقبل الشباب الباحث عن العمل والاستقرار.
وحصلت البوسنة والهرسك على صفة الدولة المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي في دجمبر 2022، كما حصلت في 2024 على الضوء الأخضر لبدء مفاوضات الانضمام، غير أن المسار الأوروبي لا يزال يواجه عراقيل مرتبطة بعدد من الإصلاحات الأساسية، خصوصا في مجالات سيادة القانون ومكافحة الفساد واستقلال القضاء.
ويضع الاتحاد الأوروبي مسار البوسنة والهرسك ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز حضوره في منطقة البلقان، غير أن استمرار الانقسامات الداخلية يجعل الطريق نحو بروكسل أكثر تعقيدا، خصوصا في ظل استمرار التنافس الجيوسياسي بين القوى الدولية في المنطقة.
وتكتسب انتخابات 4 أكتوبر أهمية تتجاوز مجرد اختيار ممثلي المؤسسات السياسية، لأنها تأتي في لحظة تبحث فيها البوسنة والهرسك عن صيغة جديدة للتعايش السياسي، وعن طريق للخروج من إرث الحرب والانقسامات التي ما زالت تلقي بظلالها على حاضر البلاد.
وبينما يتطلع جزء من الناخبين إلى تغيير الوجوه السياسية التي هيمنت على المشهد لعقود، يبقى السؤال الأكبر: هل ستنجح الانتخابات في إنتاج طبقة سياسية قادرة على كسر دائرة الانقسام والعرقلة، أم أن البوسنة والهرسك ستجد نفسها مجددا أمام المشهد نفسه، حيث تتقدم الهويات الإثنية على الملفات الاقتصادية والاجتماعية، ويظل الطريق إلى أوروبا مفتوحا على الورق فقط؟
فالاختبار الحقيقي الذي تواجهه البوسنة والهرسك لا يبدأ عند إعلان النتائج، بل بعد إغلاق صناديق الاقتراع، عندما يتعين على الفائزين تحويل أصوات الناخبين إلى إصلاحات ومؤسسات فعالة، بدل إعادة إنتاج الانقسامات التي أبقت البلاد، منذ انتهاء الحرب، عالقة بين سلام هش وحلم أوروبي مؤجل.
04/10/2026