تستعد هولندا للانتقال إلى مرحلة أكثر صرامة في التعامل مع الهواتف المحمولة داخل المؤسسات التعليمية، بعدما قررت توسيع نطاق المنع ليشمل اليوم الدراسي بأكمله، وليس فقط أوقات الدراسة داخل الأقسام، في خطوة تعكس تنامي القلق الأوروبي من التأثيرات التي باتت تفرضها الهواتف الذكية والشاشات على تركيز الأطفال والشباب وسلوكهم وتفاعلهم الاجتماعي.
ومن المرتقب أن تدخل القواعد الجديدة حيز التنفيذ ابتداءً من 1 يناير 2027، لتشمل تلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية، حيث سيكون عليهم ترك هواتفهم في المنزل أو وضعها في خزائن مخصصة عند وصولهم إلى المؤسسة التعليمية، على أن تظل بعيدة عن الاستعمال إلى حين انتهاء اليوم الدراسي.
ويشكل هذا القرار تشديداً واضحاً للقواعد المعمول بها سابقاً في هولندا، والتي كانت تركز أساساً على منع استخدام الهواتف داخل الأقسام وأثناء الدروس. أما النظام الجديد، فيتجاوز جدران الفصول الدراسية ليشمل ساحات المؤسسات وفترات الاستراحة والمطاعم المدرسية، بما يعني أن الهاتف لن يكون حاضراً في الحياة المدرسية اليومية إلا في حالات استثنائية ومحددة.
وتبرر السلطات الهولندية هذه الخطوة بالحاجة إلى الحد من التأثير المتزايد للهواتف والشاشات على الأطفال والشباب، وخلق بيئة تعليمية أكثر هدوءاً وتركيزاً، بعدما أصبح الهاتف الذكي بالنسبة إلى كثير من التلاميذ رفيقاً دائماً يرافقهم من لحظة مغادرة المنزل إلى غاية العودة إليه.
وتراهن الحكومة الهولندية على أن إبعاد الهاتف خلال ساعات الدراسة سيساعد التلاميذ على التركيز بشكل أفضل داخل الأقسام، كما سيعيد لفترات الاستراحة وظيفتها الطبيعية، من خلال تشجيع الأطفال والشباب على الحديث واللعب والتفاعل المباشر مع زملائهم، بدل الانعزال خلف شاشات الهواتف ومتابعة مواقع التواصل الاجتماعي.
ولا ينفصل القرار عن نقاش أوسع في أوروبا حول حماية الأطفال من الاستخدام المفرط للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وما يرتبط بذلك من مخاوف بشأن تراجع التركيز، وتنامي العزلة الاجتماعية، وتحول الهاتف الذكي إلى عنصر دائم الحضور في الحياة اليومية للناشئة.
وفي المغرب أيضاً، يفرض هذا التطور الهولندي نفسه على النقاش المتعلق بالمدرسة المغربية، خصوصاً مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية بين الأطفال والمراهقين، وما يرافق ذلك من تحديات تواجه الأسر والأطر التربوية والمؤسسات التعليمية في ضبط استعمال هذه الأجهزة داخل محيط المدرسة.
فالهاتف داخل المؤسسة التعليمية لم يعد مجرد وسيلة للاتصال، بل تحول إلى نافذة مفتوحة على عالم رقمي واسع، يمكن أن تكون له فوائد تعليمية وتواصلية مهمة عندما يُحسن استخدامه، لكنه قد يتحول في المقابل إلى مصدر للتشتيت إذا أصبح حاضراً بشكل دائم أثناء الحصص والاستراحة، وحتى في لحظات التفاعل بين التلاميذ.
ومن هنا، قد تعيد التجربة الهولندية طرح سؤال مطروح أيضاً في المغرب: هل يكفي منع استعمال الهاتف أثناء الدرس، أم أن الأمر يحتاج إلى تصور أكثر شمولاً ينظم حضور الهاتف داخل المدرسة ويحدد متى وكيف يمكن استعماله، مع مراعاة الحالات الاستثنائية والحاجات التعليمية والتواصلية؟
وبينما اختارت هولندا الاتجاه نحو منع أكثر شمولاً ابتداءً من 2027، يبدو أن النقاش في المغرب يمكن أن يستفيد من هذه التجربة دون نسخها حرفياً، عبر البحث عن صيغة توازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية الفضاء المدرسي من الاستخدام المفرط للهواتف، خصوصاً أن المدرسة ليست فضاءً للتحصيل الدراسي فقط، وإنما أيضاً مجال لبناء شخصية الطفل وتعزيز قدرته على التواصل والتفاعل المباشر.
وبذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الهاتف مفيداً أو ضاراً، وإنما كيف يمكن وضعه في مكانه الصحيح داخل المدرسة، حتى لا تتحول التكنولوجيا من أداة تساعد التلميذ على التعلم إلى شاشة تسرق منه التركيز والتفاعل والوقت.
وفي هولندا، يبدو أن الجواب أصبح أكثر وضوحاً: ابتداءً من 2027، سيذهب كثير من التلاميذ إلى المدرسة، لكن هواتفهم ستبقى خارج المشهد إلى نهاية اليوم الدراسي. وربما تكون هذه التجربة مناسبة أيضاً لفتح نقاش مغربي جاد حول حدود حضور الهاتف الذكي داخل المدرسة، قبل أن يصبح إخراجه من يد التلميذ أصعب من إدخاله إليها.
05/10/2026