kawalisrif@hotmail.com

61 مغربياً في قبضة الجزائر … اتهامات مثيرة بلا أدلة معلنة وأسئلة محرجة تلاحق الرواية الرسمية

61 مغربياً في قبضة الجزائر … اتهامات مثيرة بلا أدلة معلنة وأسئلة محرجة تلاحق الرواية الرسمية

في تطور جديد يعيد الجدل حول أساليب الإعلام الرسمي الجزائري في التعاطي مع القضايا المرتبطة بالمغرب، أعلنت السلطات الجزائرية توقيف 61 مواطناً مغربياً بمدينة وهران، مقدمة القضية باعتبارها مخططاً يستهدف أمن البلاد ونظامها العام، في رواية مثيرة وثقيلة الاتهامات، لكنها تفتقر، إلى أدلة واضحة تسمح للرأي العام بالتحقق من حقيقة ما يجري الحديث عنه.

ومرة أخرى، اختارت المنابر الرسمية الجزائرية الموالية للعسكر ، تقديم ملف ذي طبيعة أمنية بلغة مشحونة بالاتهامات، قبل أن تتضح جميع ملابساته، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يتعلق الأمر بوقائع مثبتة بأدلة مادية واضحة، أم برواية أمنية يجري تضخيمها إعلامياً قبل الكشف عن تفاصيلها الحقيقية؟

وحسب ما أورده التلفزيون العمومي الجزائري مساء الأحد، فإن التوقيفات جرت مطلع أكتوبر الجاري، مشيراً إلى أن من بين الموقوفين شخصاً قيل إنه عسكري سابق في الجيش المغربي. ولم يكتف الخطاب الإعلامي الرسمي بالإعلان عن التوقيف، بل وضع القضية في سياق يوحي بوجود تهديد أمني خطير، دون أن يقدم، وفق المعطيات المتاحة، تفاصيل كافية عن طبيعة المخطط المزعوم أو الأفعال المحددة المنسوبة إلى كل واحد من الموقوفين.

وتحدثت الرواية الجزائرية عن دخول المعنيين إلى البلاد عبر مسالك برية بمنطقة القالة التابعة لولاية الطارف، بعدما وصلوا جواً إلى مطار تونس الدولي، قبل انتقالهم إلى وهران. كما أشارت إلى حجز جوازات سفر مغربية ومبالغ مالية بالدرهم المغربي واليورو، وهي تفاصيل يجري تقديمها ضمن الملف، لكنها لا تشكل، بمفردها، دليلاً على وجود مؤامرة أو مخطط يستهدف أمن الجزائر.

اللافت في القضية ليس عدد الموقوفين فقط، بل حجم الاتهامات التي جرى إطلاقها مقابل غياب تفاصيل مستقلة قابلة للتحقق. فحين يتعلق الأمر باتهامات من هذا المستوى، لا يكفي سرد مسارات السفر أو الحديث عن وثائق ومبالغ مالية لإقناع الرأي العام بوجود مخطط أمني، بل يتطلب الأمر أدلة واضحة، ووقائع محددة، ومعطيات تسمح بالتمييز بين الاشتباه والإدانة.

وتبدو الرواية الرسمية، في انتظار ظهور معطيات إضافية، أقرب إلى ملف تحيط به علامات استفهام كثيرة منها إلى قضية كُشفت جميع عناصرها للرأي العام. فمن هي الجهات التي يُزعم أن الموقوفين كانوا يعملون لحسابها؟ وما طبيعة العمليات التي يُشتبه في التخطيط لها؟ وأين توجد الأدلة المادية التي تدعم هذه الاتهامات؟ أسئلة أساسية لا يمكن الإجابة عنها بمجرد تكرار ما تبثه القنوات الرسمية.

كما أن إقحام صفة عسكرية سابقة لأحد الموقوفين في صلب الرواية الإعلامية يمنح القضية بعداً حساساً، لكنه لا يعفي السلطات من تقديم ما يثبت الصلة الفعلية بين هذه الصفة والمخطط المزعوم. فالأوصاف المثيرة لا تعوض الأدلة، والعناوين الأمنية لا تحوّل الشبهات إلى حقائق.

وفي ظل استمرار التوتر بين الجزائر والمغرب، تزداد الحاجة إلى التعامل مع مثل هذه الأخبار بمنطق التحقق لا بمنطق الدعاية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواطنين لم تثبت إدانتهم بعد. فالتصعيد الإعلامي لا يثبت صحة الاتهامات، كما أن تكرار الرواية عبر المنابر التابعة للجهة نفسها لا يُعد تأكيداً مستقلاً لها.

والأكثر إثارة للتساؤل أن القضية وصلت إلى مرحلة تقديم المشتبه فيهم أمام وكيل الجمهورية لدى القطب الجزائي المتخصص بوهران، بينما لا تزال المعطيات المتاحة للرأي العام غير كافية لتكوين صورة واضحة عن الوقائع والأدلة. وهذا ما يجعل الشفافية القضائية ضرورة، لا مجرد خيار، حتى لا تتحول قضية بهذا الحجم إلى مادة مفتوحة للتأويل والتوظيف السياسي.

إن اتهام 61 مواطناً مغربياً دفعة واحدة بمخطط يستهدف الأمن والنظام العام ليس خبراً عادياً، ولا يجوز التعامل معه باعتباره حقيقة مكتملة لمجرد أن التلفزيون الرسمي الجزائري أعلنه. فكلما ارتفع سقف الاتهامات، ارتفع معه واجب تقديم الأدلة، وكلما اتخذت القضية طابعاً حساساً، ازدادت ضرورة الفصل بين الوقائع المثبتة والادعاءات التي لا تزال تنتظر التحقق.

وإلى حين ظهور أدلة مستقلة وتفاصيل دقيقة بشأن القضية، ستظل الرواية الجزائرية محاطة بأسئلة معلقة، وسيبقى الرأي العام أمام اتهامات خطيرة لم تتضح بعد جميع مرتكزاتها. أما تحويل الاشتباه إلى إدانة إعلامية مسبقة، فلن يخدم الحقيقة، ولن يعفي الجهات المعنية من الإجابة عن السؤال الأهم: أين الأدلة التي تثبت ما تقوله الرواية الرسمية؟

11/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts