في تطور جديد يكشف اتساع رقعة الخلاف داخل الاتحاد الأوروبي بشأن تدبير ملف الهجرة، وجّهت الدنمارك انتقادات مباشرة إلى السياسة التي تنتهجها الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز، مطالبة المفوضية الأوروبية بإخضاع خطة تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين للتدقيق، في خطوة تضع مدريد تحت ضغط أوروبي متزايد، وتعيد ملف الحدود والهجرة إلى قلب المواجهة السياسية بين العواصم الأوروبية.
وحسب ما أوردته مصادر إعلامية، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، فإن رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن دعت المفوضية الأوروبية إلى دراسة تداعيات إقدام دولة عضو على تبني سياسة تختلف بوضوح عن النهج الذي تسير عليه دول أوروبية أخرى، في إشارة مباشرة إلى الخطة الإسبانية التي تستهدف تسوية الوضع القانوني لنحو 600 ألف مهاجر غير نظامي.
وأوضحت فريدريكسن أنها طلبت من المفوضية الأوروبية دراسة ما يحدث عندما تختار دولة ما مساراً يكاد يكون معاكساً لما تعتمده بقية الدول، معتبرة أن التوجه الإسباني يتعارض مع سياسة الهجرة التي تدعمها، بحسب موقفها، أغلبية واسعة داخل أوروبا. وهي تصريحات تضع حكومة سانشيز أمام اختبار سياسي حساس، خصوصاً في ظل تصاعد الدعوات الأوروبية إلى تشديد مراقبة الحدود والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.
والمفارقة اللافتة في هذه المواجهة أن الخلاف لا يجمع بالضرورة بين تيارين سياسيين متعارضين، إذ تنتمي فريدريكسن وسانشيز إلى العائلة السياسية الاشتراكية، غير أن هذا التقارب لم يمنع تحول ملف الهجرة إلى نقطة خلاف حادة بينهما. ففي الوقت الذي تدافع فيه الحكومة الإسبانية عن التسوية باعتبارها مدخلاً للاندماج واحترام الحقوق والاستجابة لحاجيات الاقتصاد، ترى كوبنهاغن أن مثل هذه القرارات قد تبعث بإشارات تشجع مزيداً من المهاجرين غير النظاميين على التوجه نحو أوروبا.
وكانت إسبانيا قد أقرت، في يناير 2026، مرسوماً لتسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير موثق، فيما يتصدر ملف تسوية أوضاع 600 ألف مهاجر واجهة النقاش الأوروبي الراهن. وبين الأرقام المعلنة ومخاوف العواصم الأوروبية، بات السؤال المطروح يتجاوز حدود القرار الإسباني نفسه: هل تستطيع دولة عضو اعتماد سياسة للهجرة واسعة التأثير من دون أن تتحمل بقية دول الاتحاد التداعيات المحتملة لها؟
ولم تعد القضية مجرد سجال نظري داخل المؤسسات الأوروبية، بل تحولت إلى مواجهة سياسية بشأن المسؤولية المشتركة وحدود القرار الوطني ومدى قدرة الاتحاد على التوفيق بين حماية حقوق المهاجرين وضبط حدوده الخارجية. فبينما تتمسك مدريد بخياراتها، تتزايد الضغوط المطالبة بإخضاع هذه الخيارات لتقييم أوروبي أوسع، في مؤشر على أن ملف الهجرة بات من الملفات القادرة على تعميق الخلافات بين الحكومات، حتى عندما تتقاطع مرجعياتها السياسية.
وتكتسب هذه المواجهة أبعاداً إضافية بالنظر إلى ما شهدته سبتة المغربية المحتلة في الثلاثين من يوليوز الماضي، عندما دخل عشرات الآلاف من الأشخاص إلى المدينة خلال أزمة حدودية استثنائية تحولت إلى اختبار صعب لقدرة إسبانيا والاتحاد الأوروبي على تدبير الهجرة والتعامل مع الضغوط الإنسانية والأمنية. وقد وثّقت تقارير بشأن الأزمة حجم التدفقات وتداعياتها، لتعود الحدود الجنوبية لأوروبا إلى واجهة النقاش حول فعالية السياسات المعتمدة في مواجهة الهجرة غير النظامية.
وفي هذا السياق، تبرز سبتة بوصفها إحدى النقاط الحساسة التي تتقاطع عندها الحسابات الأمنية والسياسية والإنسانية، خصوصاً حين تتحول الأزمات الحدودية إلى مادة للسجال بين الحكومات الأوروبية. غير أن الربط المباشر بين تسوية أوضاع المهاجرين في إسبانيا وأحداث سبتة يظل مسألة تحتاج إلى أدلة واضحة، ولا يمكن اعتباره نتيجة محسومة لمجرد تزامن النقاشين.
وتجد مدريد نفسها، في ظل هذه التطورات، أمام معادلة معقدة: حكومة تدافع عن تسوية أوضاع المهاجرين باعتبارها وسيلة لإدماجهم في الاقتصاد والمجتمع، وشركاء أوروبيون يحذرون من أن القرارات الوطنية قد تكون لها انعكاسات تتجاوز الحدود الجغرافية للدولة التي تتخذها. وبين الموقفين، تتصاعد الأسئلة بشأن مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على بناء سياسة موحدة للهجرة، في وقت تتباين فيه الرؤى حول كيفية التعامل مع الوافدين غير النظاميين وتقاسم المسؤوليات بين الدول الأعضاء.
إن المواجهة الحالية لا تختبر فقط قدرة سانشيز على الدفاع عن قراره، بل تكشف أيضاً حجم التناقضات التي تعيشها أوروبا بين خطاب حماية الحقوق ومطالب تشديد الحدود، وبين حرية الدول في تحديد سياساتها الداخلية والتزاماتها تجاه شركائها. فكل قرار وطني في ملف الهجرة قد يتحول إلى قضية أوروبية متى امتدت تداعياته المحتملة إلى دول أخرى، وكل أزمة حدودية قد تعيد فتح ملفات ظنّت الحكومات أنها تجاوزتها.
وفي نهاية المطاف، تبدو إسبانيا أمام اختبار سياسي لا يكفي فيه التمسك بشعارات الاندماج وحقوق الإنسان، كما لا تكفي فيه التحذيرات والاتهامات وحدها لحسم النقاش؛ فالمعيار الحقيقي سيظل مرتبطاً بالنتائج الفعلية للسياسة المعتمدة، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الحقوق الإنسانية ومتطلبات تدبير الحدود.
وبين مدريد وكوبنهاغن وبروكسل، تبقى سبتة المغربية المحتلة شاهداً على أن أزمات الهجرة لم تعد شأناً محلياً معزولاً، بل أصبحت ملفاً يختبر تماسك الاتحاد الأوروبي وقدرته على اتخاذ قرارات مشتركة. وفيما تتبادل العواصم التحذيرات وتتصادم الحسابات السياسية، يظل السؤال معلقاً فوق الحدود الجنوبية للقارة: هل تنجح أوروبا في صياغة سياسة موحدة تنهي تضارب الخيارات الوطنية، أم أن كل أزمة جديدة ستفتح باباً إضافياً للصدام، لتجد القارة نفسها أمام خلافات تتسع كلما اعتقدت حكوماتها أنها اقتربت من الحل؟
16/10/2026