تتجه الأنظار بإقليم الحسيمة نحو أداء السلطة الإقليمية، في ظل تصاعد انتقادات محلية تطرح علامات استفهام بشأن مدى التفاعل مع انشغالات المواطنين، ومآل الشكايات التي تصل إلى العمالة، وحجم التدخلات الملموسة لمعالجة الملفات والإختلالات التي ظلت حاضرة في النقاش العمومي دون أن تتضح، بحسب منتقدين، نتائجها على أرض الواقع.
أين عامل إقليم الحسيمة من مشاكل الساكنة؟ ولماذا يظل المواطن، وفق ما تعكسه هذه الانتقادات، في حاجة إلى التساؤل عن مصير شكاياته والجهة التي يفترض أن تتولى تتبعها؟** أسئلة تتجاوز مجرد النقاش حول الحضور الإداري، لتلامس جوهر مسؤولية السلطة الترابية في الإنصات للمواطنين، ومواكبة قضاياهم، وضمان تفاعل فعلي مع مطالبهم وانتظاراتهم.
وتزداد حدة هذه التساؤلات عندما يتعلق الأمر بملفات تحظى باهتمام الرأي العام المحلي، وتجد طريقها إلى وسائل الإعلام، بينما لا تظهر بشأنها، في نظر منتقدين، توضيحات كافية حول الإجراءات المتخذة أو النتائج المحققة. وهو ما يفتح الباب أمام مطالب بتوضيح مآل الشكايات، والكشف عن طبيعة التدخلات التي باشرتها المصالح المعنية، والآجال المحددة لمعالجة القضايا المطروحة.
فهل ينبغي أن يضطر المواطن إلى تكرار طرق أبواب الإدارة، أو اللجوء إلى الإعلام وإثارة الجدل، حتى تحظى مشاكله بالاهتمام المطلوب؟ ولماذا لا تكون المبادرة إلى رصد الاختلالات والتدخل لمعالجتها جزءاً من عمل يومي قائم على القرب والإنصات والاستباق، بدل انتظار اتساع دائرة التذمر قبل التحرك؟
إن جوهر الإشكال الذي تثيره هذه الانتقادات لا يتعلق فقط بمدى ظهور المسؤول الإقليمي في الأنشطة والاجتماعات الرسمية، بل بمدى انعكاس عمل الإدارة الترابية على الحياة اليومية للمواطنين. فالحضور الميداني لا يُقاس بالصور أو البلاغات أو اللقاءات البروتوكولية، وإنما بمدى القدرة على تشخيص المشاكل، والاستماع إلى المتضررين، وتتبع الملفات إلى حين إيجاد حلول عملية لها.
وفي هذا السياق، يطرح متابعون للشأن المحلي تساؤلات حول قنوات التواصل المتاحة أمام المواطنين، ومدى وضوح المساطر المتعلقة بتلقي الشكايات وتتبعها، فضلاً عن الحاجة إلى إخبار أصحابها بمآل الملفات التي تقدموا بها. فالإدارة التي تحترم حق المواطن في المعلومة مطالبة بتقديم أجوبة واضحة، حتى عندما يتعذر حل بعض الملفات بشكل فوري، بدل ترك أصحابها أمام الانتظار والغموض.
والأكثر إثارة للجدل أن عدداً من القضايا المحلية لا يستدعي بالضرورة حملات إعلامية أو احتجاجات متكررة حتى يجري التعامل معها، بقدر ما يحتاج إلى إدارة ترابية يقظة، تتابع الأوضاع عن قرب، وتتحرك وفق الأولويات، وتنسق مع المصالح الخارجية والجماعات الترابية والجهات المعنية من أجل تجاوز العراقيل التي تعترض معالجة مشاكل الساكنة.
ومن هنا، فإن الانتقادات الموجهة إلى طريقة تدبير بعض الملفات تضع عامل الإقليم أمام مسؤولية توضيح طبيعة المقاربة المعتمدة في التواصل مع المواطنين، ومدى انتظام الزيارات الميدانية، وكيفية تتبع الشكايات، وما إذا كانت هناك آليات واضحة لتقييم نتائج التدخلات الإدارية. وهي أسئلة مشروعة في إطار الحق في مساءلة المسؤولين عن تدبير الشأن العام، دون أن يعني طرحها الجزم بغياب العمل أو التقصير في ملفات لم تُعرض بشأنها معطيات موثقة.
وفي خضم هذا الجدل، ذهب بعض المنتقدين إلى استعمال وصف «الموظف الشبح» للتعبير عن انطباعهم بشأن محدودية الحضور والتواصل الملموسين. وهو توصيف حاد يظل منسوباً إلى أصحابه، لكنه يعكس، في نظرهم، حجم الفجوة التي يرونها بين انتظارات المواطنين وما يلمسونه من تفاعل مع قضاياهم. وفي المقابل، يظل الحسم في تقييم الأداء مرتبطاً بالوقائع الموثقة، وحصيلة التدخلات، ومدى الاستجابة الفعلية للملفات المطروحة.
فالحسيمة ليست مجرد مجال ترابي تدبر شؤونه من داخل المكاتب، بل إقليم له تحديات اجتماعية وتنموية وانتظارات يومية، ويحتاج إلى إدارة قريبة من المواطنين، قادرة على رصد المشاكل قبل تفاقمها، والتنسيق بشأنها، وإطلاع الرأي العام على ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.
وإذا كانت بعض الملفات تتطلب وقتاً أو إمكانات أو تنسيقاً بين عدة مؤسسات، فإن ذلك لا يعفي الجهات المعنية من واجب التواصل وتقديم التوضيحات. فالمواطن لا يطالب دائماً بحلول فورية لكل المشاكل، بقدر ما ينتظر أن يجد من ينصت إليه، ويشرح له المساطر، ويتابع شكايته، ويضعه في صورة الإجراءات المتخذة بشأنها.
**اليوم، لم يعد السؤال المطروح في الحسيمة مقتصراً على ما إذا كان عامل الإقليم حاضراً في الميدان، بل أصبح يتعلق بما يتركه هذا الحضور، أو ما يُنظر إليه على أنه محدود، من أثر ملموس في حياة الساكنة.** ما الملفات التي جرى حلها؟ وما الشكايات التي ما تزال تنتظر المعالجة؟ وما التدابير المتخذة لتسريع الاستجابة لمطالب المواطنين؟ أسئلة تستحق أجوبة دقيقة، قائمة على المعطيات والنتائج، لا على الانطباعات وحدها.
وأمام استمرار هذه التساؤلات، تبرز الحاجة إلى تواصل مؤسساتي واضح من عمالة إقليم الحسيمة، يضع الرأي العام أمام حقيقة الملفات المثارة، ويوضح حصيلة التدخلات، ويحدد ما يمكن إنجازه والآجال المرتبطة به. فالثقة بين المواطن والإدارة لا تُبنى بالصمت أو بتبادل الاتهامات، وإنما بالشفافية والإنصات والعمل القابل للقياس.
**فإلى متى ستظل بعض انشغالات ساكنة الحسيمة موضوع تساؤلات وانتقادات؟ ومتى تتحول مطالب المواطنين إلى أجوبة واضحة وتدخلات ملموسة؟** أسئلة يظل من حق الرأي العام طرحها، في انتظار معطيات دقيقة تكشف حقيقة ما يجري، وتوضح مدى تفاعل السلطة الإقليمية مع الملفات المطروحة، وتتيح للمواطنين تقييم الأداء على أساس النتائج.
الحسيمة تحتاج إلى إدارة ترابية قريبة من مواطنيها، وإلى تواصل مسؤول يجعل الشكاية بداية لمسار واضح من التتبع والمعالجة، لا نهاية المطاف في انتظار مجهول. أما المسؤولية، في نهاية المطاف، فلا تُقاس بما يقال عن المسؤول، وإنما بما يمكن إثباته من عمل ونتائج واستجابة فعلية لانتظارات الساكنة.
22/10/2026