kawalisrif@hotmail.com

الاقتصاد الألماني على حافة الجمود … تضخم متصاعد وصناعة متعثرة واستثمارات تكنولوجية تهدد عرش برلين الاقتصادي

الاقتصاد الألماني على حافة الجمود … تضخم متصاعد وصناعة متعثرة واستثمارات تكنولوجية تهدد عرش برلين الاقتصادي

**الاقتصاد الألماني تحت ضغط مزدوج.. تباطؤ النمو وتسارع التضخم يكشفان تحديات الصناعة والابتكار**

تتزايد المؤشرات المقلقة بشأن أداء الاقتصاد الألماني، في ظل توقعات بتوقف النمو خلال الربع الثالث من السنة الجارية، وسط ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الإنتاج الصناعي، بالتوازي مع تسارع التضخم إلى أعلى مستوى له منذ أواخر عام 2023. وفي وقت تواجه فيه البلاد صعوبات اقتصادية على المدى القريب، تبرز مخاوف إضافية بشأن مستقبل تنافسيتها، بسبب تركّز الاستثمارات المخصصة للبحث والتطوير في الصناعات التقليدية والمتوسطة التكنولوجيا، على حساب القطاعات التكنولوجية المتقدمة.

وفي هذا السياق، رجّح البنك المركزي الألماني، المعروف باسم «بوندسبنك»، في تقريره الصادر خلال أكتوبر، أن يكون الاقتصاد الوطني قد أنهى الربع الثالث من العام الجاري دون تحقيق أي نمو. وعزا هذه التوقعات إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها تراجع القدرة الشرائية للأسر بفعل ارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب ضعف النشاط الصناعي، ولا سيما في قطاع صناعة السيارات الذي يشكل أحد المكونات الرئيسية للاقتصاد الألماني.

ولم تقتصر الصعوبات على ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة، بل امتدت إلى قطاع النقل والشحن، بعدما أدى انخفاض منسوب مياه نهر الراين إلى عرقلة حركة الملاحة، الأمر الذي تسبب في زيادة تكاليف نقل المواد والسلع، خصوصا بالنسبة إلى الصناعات التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مثل تكرير النفط والصناعات الكيماوية. وانعكست هذه التطورات سلبا على حركة التجارة الخارجية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من ضغوط متزايدة على نشاطه الصناعي.

ورغم تسجيل قطاع البناء تحسنا في مستوى نشاطه خلال غشت الماضي، فإن البنك المركزي الألماني لا يتوقع بالضرورة استمرار هذا المنحى، إذ حذّر من أن ارتفاع أسعار الفائدة على القروض العقارية قد يحد من قدرة القطاع على الحفاظ على وتيرة نشاطه، بفعل زيادة كلفة التمويل وتراجع القدرة على تحمل أعباء الاقتراض.

وعلى مستوى الأسعار، سجل التضخم السنوي المنسق في ألمانيا ارتفاعا جديدا، بعدما بلغ 3.3 في المائة خلال شتنبر، مقابل نحو 2.9 في المائة في غشت الماضي. ويأتي هذا التسارع، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، في سياق ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالصراع الدائر في الشرق الأوسط، بما يزيد من الأعباء التي تتحملها الأسر والشركات.

وحذّر البنك المركزي من أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة قد لا يتوقف عند تكاليف الاستهلاك المباشرة، بل يمكن أن يمتد تدريجيا إلى أسعار السلع الصناعية والمواد الغذائية والخدمات، مع انتقال الأعباء الإضافية إلى مختلف مراحل الإنتاج والتوزيع. وهو ما يثير مخاوف من استمرار الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة، خصوصا إذا ظلت تكاليف الطاقة مرتفعة.

وتتجه التوقعات أيضا إلى احتمال تعرض الأسعار لمزيد من الضغوط ابتداء من مطلع سنة 2027، مع انتهاء العمل بالتدابير الرامية إلى تخفيف الضرائب المفروضة على الوقود. كما يُرتقب أن تسهم الإصلاحات المرتبطة بالنظام الصحي، والتي ترفع مساهمات المرضى في تكاليف الأدوية والخدمات المقدمة داخل المستشفيات، في زيادة الأعباء المالية على المواطنين، بما قد ينعكس بدوره على مستويات الأسعار.

وبموازاة هذه التحديات المرتبطة بالنمو والتضخم، فتح معهد «إيفو» الألماني ملفا آخر يتعلق بمستقبل الاقتصاد، محذرا من أن نمط توزيع الاستثمارات المخصصة للبحث والتطوير لا يساعد ألمانيا بالقدر الكافي على تعزيز موقعها في القطاعات الأكثر تقدما من الناحية التكنولوجية.

وأوضح المعهد، استنادا إلى دراسة شملت 18 دولة خلال الفترة الممتدة من سنة 2000 إلى سنة 2024، أن الاقتصادات التي تحقق معدلات نمو أسرع تميل إلى تخصيص حصة أكبر من نفقاتها على البحث والتطوير للأنشطة ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع، بما في ذلك تطوير البرمجيات والتكنولوجيا الحيوية وصناعات الفضاء.

وتكشف المقارنة الواردة في الدراسة عن تفاوت واضح بين ألمانيا والولايات المتحدة في هذا المجال؛ ففي سنة 2023، استحوذت الصناعات العالية التكنولوجيا على 68 في المائة من إجمالي الإنفاق الصناعي الأمريكي المخصص للبحث والتطوير، في حين لم تتجاوز حصتها 20 في المائة في ألمانيا.

وفي المقابل، ظلت الصناعات المتوسطة التكنولوجيا تستحوذ على الحصة الأكبر من الإنفاق البحثي الصناعي الألماني، إذ بلغت نسبتها 76 في المائة، وتشمل بالأساس صناعة السيارات والآلات. وتفوق هذه النسبة المتوسط المسجل في البلدان الـ18 التي شملتها الدراسة، والبالغ 56 في المائة، ما يبرز مدى استمرار تركّز الجهد البحثي الألماني في قطاعات صناعية تقليدية نسبيا مقارنة بالاقتصادات التي توسع استثماراتها في التكنولوجيا المتقدمة.

وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود علاقة بين توجيه المزيد من الموارد نحو البحث والتطوير في القطاعات التكنولوجية المتقدمة وتحسين الأداء الاقتصادي على المدى المتوسط. فقد ارتبطت زيادة حصة هذه القطاعات من الإنفاق على البحث والتطوير بمقدار 10 نقاط مئوية بارتفاع النمو السنوي لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو نصف نقطة مئوية.

كما رصد الباحثون تراجعا طويل الأمد في الوزن النسبي للتكنولوجيا المتقدمة ضمن الإنفاق البحثي الألماني، بعدما انخفضت حصتها من 32 في المائة سنة 1995 إلى حوالي 20 في المائة سنة 2023، وهو ما يعكس تحولا يستدعي، بحسب خلاصات الدراسة، إعادة النظر في أولويات الاستثمار والابتكار.

وشدد المعهد على أن رفع حجم الإنفاق على البحث والتطوير وحده لا يمثل ضمانة كافية لتحقيق نمو اقتصادي أقوى، ما لم يصاحبه توجيه أكثر فعالية لهذه الموارد نحو المجالات التكنولوجية المتقدمة، إلى جانب تحسين الظروف المحفزة للابتكار. وبذلك، تواجه ألمانيا تحديين متزامنين: احتواء الضغوط الاقتصادية والتضخمية في الأمد القريب، وإعادة هيكلة أولوياتها البحثية لتعزيز قدرتها التنافسية وضمان إمكانات نمو أكبر في السنوات المقبلة.

23/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts