kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا تبيع أوهام التفوق العسكري وتُشهّر بسلاح الفيتو الأمريكي ضد المغرب.. حين تتحول “ITAR” إلى أداة دعائية لإخفاء عقدة الرباط !

إسبانيا تبيع أوهام التفوق العسكري وتُشهّر بسلاح الفيتو الأمريكي ضد المغرب.. حين تتحول “ITAR” إلى أداة دعائية لإخفاء عقدة الرباط !

في محاولة جديدة لتسويق التفوق العسكري الإسباني وتضخيم الفوارق مع المغرب، أعادت صحيفة إسبانية فتح ملف التبعية التكنولوجية للجيوش، من خلال تسليط الضوء على نظام ITAR الأمريكي، الذي يفرض قيوداً على تصدير التكنولوجيا والمكونات العسكرية ذات المنشأ الأمريكي ونقلها وإعادة تصديرها. غير أن ما يثير الانتباه في هذا الطرح ليس الحديث عن القيود القانونية التي تفرضها واشنطن على مستخدمي أسلحتها، بل الإصرار على تحويلها إلى سيناريو جاهز لإعلان تفوق إسبانيا وتصوير المغرب وكأن جيشه معلّق بمفتاح في يد البنتاغون.

المقال الذي نشرته الصحيفة الإسبانية بقلم العسكري السابق والخبير الأمني رامون كويردا ريفا، يذهب بعيداً في رسم صورة افتراضية لنزاع عسكري بين الرباط ومدريد، مفترضاً أن أي حظر أمريكي شامل قد يشل الجزء الأكبر من القدرات الهجومية المغربية، مقابل احتفاظ إسبانيا بتفوقها بفضل مقاتلات “يوروفايتر” وفرقاطات “F-110” وغواصات “S-80”. لكن هذه الخلاصة تبدو أقرب إلى تمنيات استراتيجية مغلفة بلغة تقنية منها إلى تقييم عسكري متوازن، خصوصاً أن الكاتب يتعامل مع فرضية الحظر الشامل وكأنها قرار مضمون النتائج، ويتجاهل أن الحروب لا تُحسم بجرد أسماء الأسلحة ولا بمجرد تصنيفها وفق بلد المنشأ.

والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الخطابات الإعلامية الإسبانية تريد إقناع القارئ بأن امتلاك منظومات أوروبية يمنح مدريد استقلالية مطلقة، بينما يجعل اقتناء المغرب أسلحة أمريكية وإسرائيلية وصينية وفرنسية رهينة للخارج. والحقيقة أن الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية تحدٍّ تواجهه جيوش عديدة، بما فيها جيوش دول كبرى، ولا يتحول تلقائياً إلى عجز عملياتي شامل. فوجود مكونات أمريكية في منظومة عسكرية لا يعني أن واشنطن تستطيع تعطيلها بضغطة زر، كما أن فرض قيود على قطع الغيار والتحديثات لا يؤدي بالضرورة إلى توقف جميع المعدات في غضون أيام، كما يوحي المقال؛ إذ يرتبط الأمر بطبيعة الأنظمة وشروط التصدير والمخزونات المتاحة وقدرات الصيانة والتشغيل.

وفي الوقت الذي يحاول فيه الكاتب تقديم المغرب باعتباره الطرف الأكثر عرضة للضغط الأمريكي، يغفل أن الرباط لا تراهن على مورد واحد، ولا تبني سياستها الدفاعية على شراء المعدات وتكديسها فحسب، بل تتجه تدريجياً نحو تنويع الشراكات وتطوير الصناعة العسكرية المحلية وتوطين بعض عمليات الإنتاج والتجميع. وهذه التحولات، مهما كانت التحديات التي تواجهها، تكشف عن إدراك مغربي متزايد بأن السيادة الدفاعية لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات، وإنما أيضاً بالقدرة على تنويع مصادر التسليح، وتطوير الكفاءات، وتأمين الصيانة والإمدادات، وبناء قاعدة صناعية تقلص الارتهان للخارج بمرور الوقت.

أما الحديث عن أن المغرب قد يفقد معظم قوته الهجومية بمجرد فرض واشنطن حظراً بموجب نظام ITAR، فهو استنتاج يحتاج إلى أكثر من سيناريو افتراضي حتى يكتسب صفة التقييم العسكري الجاد. فالمغرب يمتلك منظومات ومعدات من مصادر متعددة، ويعمل على تعزيز قدراته في مجالات الدفاع الجوي والمدفعية الصاروخية والطائرات المسيّرة، فضلاً عن شراكاته الدفاعية المتنامية. ولا يعني ذلك أن هذه القدرات بمنأى عن القيود التقنية أو السياسية، بل يعني أن اختزالها في علاقة ثنائية مع البنتاغون لا يقدم صورة مكتملة عن واقع التسلح المغربي واتجاهاته.

ويكشف استحضار منظومات مثل “PULS” الإسرائيلية و”Barak MX” و”Spyder”، إلى جانب أنظمة صينية ومشاريع لتطوير الطائرات المسيّرة، عن تعدد مسارات التعاون العسكري التي يمكن أن تشكل جزءاً من استراتيجية تنويع مصادر التسليح. غير أن القيمة الحقيقية لهذا التنويع لا تكمن في تعداد أسماء المنظومات، بل في مدى اندماجها ضمن بنية متماسكة للقيادة والسيطرة، وقدرتها على العمل المشترك، وتوافر الذخائر ووسائل الصيانة والتدريب. وهي معايير تنطبق على المغرب وإسبانيا معاً، ولا تمنح أي طرف حصانة تلقائية من مواطن الضعف.

في المقابل، تبدو محاولة تقديم الترسانة الإسبانية باعتبارها محصنة بالكامل من القيود الخارجية مبالغة لا تقل وضوحاً. فمقاتلات “يوروفايتر” نفسها ثمرة تعاون صناعي أوروبي متعدد الأطراف، وفرقاطات “F-100” تعتمد على منظومة “Aegis” الأمريكية، كما أن عدداً من المعدات الأوروبية يتضمن مكونات وتقنيات ترتبط بسلاسل إمداد عابرة للحدود. ولذلك، فإن وصف المنظومات الأوروبية بأنها مستقلة استقلالاً مطلقاً عن الخارج لا يصمد أمام واقع الصناعات الدفاعية الحديثة، حيث تتشابك التقنيات والتراخيص والبرمجيات والمكونات بين دول وشركات مختلفة.

ثم إن الحديث عن احتفاظ إسبانيا بتفوق جوي مطلق، أو استمرار جميع قدراتها البحرية والغواصات من دون تأثر يُذكر، يظل تقديراً افتراضياً لا حقيقة محسومة. فالأداء العسكري في أي أزمة يتوقف على عوامل متعددة، من بينها الجاهزية الفعلية، ومخزونات الذخيرة، والقدرة على الاستدامة اللوجستية، وكفاءة القيادة والسيطرة، وطبيعة الدعم الخارجي. ولا تكفي الإشارة إلى أن منظومة ما أوروبية المنشأ للحكم بأنها ستظل تعمل بكامل طاقتها في جميع الظروف، مثلما لا يكفي وجود مكوّن أمريكي للقول إن منظومة مغربية ستتحول تلقائياً إلى قطعة حديدية معطلة.

واللافت أيضاً أن المقال يضع المغرب في خانة الطرف الذي قد يُدفع إلى حرب استنزاف باستخدام الطائرات المسيّرة والضربات المدفعية المتفرقة، بينما يمنح إسبانيا، مسبقاً، أفضلية واسعة في مختلف المجالات. إنها طريقة في بناء السيناريو تبدأ بالنتيجة المرغوبة، ثم تبحث عن الأسلحة والأرقام التي تخدمها، بدلاً من اختبار الفرضيات المتعددة التي يمكن أن تؤثر في موازين القوة. فالتقييم الدفاعي الرصين لا يوزع شهادات التفوق قبل وقوع الأحداث، ولا يتعامل مع الاحتمالات السياسية باعتبارها نتائج عسكرية مؤكدة.

ولا يعني هذا التقليل من أهمية نظام ITAR أو إنكار المخاطر التي تفرضها التبعية التكنولوجية؛ فهذه القيود حقيقية، وتفرض على الدول الساعية إلى تعزيز استقلالها الدفاعي التفكير في بدائل طويلة الأمد. لكن المفارقة أن الدرس الذي يمكن استخلاصه من المقال لا يقتصر على المغرب، بل يشمل إسبانيا نفسها: فلا توجد سيادة عسكرية مكتملة من دون قدرة مستدامة على الإنتاج والصيانة والتطوير، ولا يمكن لأي دولة أن تتباهى باستقلالها ما دامت أجزاء من منظوماتها الحيوية مرتبطة بتراخيص أو مكونات أو سلاسل إمداد خارجية.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن الرهان الاستراتيجي لا ينبغي أن يكون الانجرار وراء سباق دعائي مع مدريد، ولا الرد على كل تقدير إسباني باستعراض مضاد، بل مواصلة بناء منظومة دفاعية متنوعة وأكثر استقلالية، وتعزيز الصناعة العسكرية الوطنية، وتطوير الكفاءات البشرية والتقنية، وتأمين استمرارية الإمدادات. فهذه هي العناصر التي تحول صفقات التسلح إلى قوة مستدامة، وتمنح القرار الوطني هامشاً أوسع للتحرك في مواجهة الضغوط الخارجية.

ويمكن لمدريد أن تستند إلى الشراكة الأوروبية لتطوير قدراتها، كما يمكن للرباط أن تستثمر تنوع شركائها في بناء خياراتها الدفاعية. لكن ما لا يمكن تقديمه بوصفه حقيقة عسكرية هو تصوير إسبانيا صاحبة سيادة مطلقة، في مقابل اختزال المغرب في صورة جيش ينتظر إشارة من واشنطن كي يعرف ما إذا كان يستطيع تشغيل أسلحته أم لا. فالتفوق لا يُحسم بالمقالات، والسيادة لا تُقاس بالأسماء الأجنبية المكتوبة على الطائرات، والجاهزية لا تثبتها سيناريوهات افتراضية تُصاغ على مقاس النتيجة المرغوبة. أما الرهان المغربي الحقيقي، فهو تحويل سياسة تنويع الشراكات وتوطين الصناعة إلى استقلال دفاعي متزايد، يجعل القرار الوطني أقل عرضة للابتزاز وأكثر قدرة على حماية المصالح العليا للمملكة.

24/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts