على امتداد سنوات، ظلت شبكة المقاول المثير للجدل صلاح الدين المومني تنسج خيوط نفوذها بصمت داخل مؤسسات الدولة، مستفيدة من علاقات متشعبة ووسطاء يتقنون التحرك بين مكاتب الإدارات والجماعات الترابية والمحافظات العقارية ومصالح الضرائب.
وحسب المعطيات التي توصلت بها جريدة “كواليس الريف” ، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد عمليات احتيال معزولة، بل بمنظومة متكاملة تتوزع بداخلها الأدوار بين مسؤولين ميدانيين ووسطاء وواجهات مالية وشخصيات مكلفة بإدارة الملفات العقارية والإدارية. ففي قمة الهرم يوجد “العقل المدبر”، الشخصية التي تتخذ القرارات وتدير العلاقات بين مختلف الخلايا.
وتُظهر الوثائق المرتبطة بشبكة العقار الإجرامية ، أن جميع العمليات الكبرى تمر عبر دائرة ضيقة من كبار المسؤولين بالجهة الشرقية.
— خلية العقار: السيطرة على الأراضي والمشاريع السكنية :
تُعتبر هذه الخلية القلب الاقتصادي للشبكة. وتتمثل مهمتها الأساسية في البحث عن أراضٍ محل نزاع أو مشاريع سكنية تعاني من تعقيدات قانونية، ثم استغلال تلك التعقيدات لإعادة توجيه الملكيات أو فرض أمر واقع جديد. وتعمل هذه الخلية بالتوازي مع سماسرة، من بينهم المسماة مريم مجبور، إطار سابق بعمران الشرق ، وعباس علاوي، موظف سابق بباشوية بركان، إلى جانب وسطاء آخرين يتولون التواصل مع الملاك والورثة، في حين تتكلف عناصر أخرى بإعداد الملفات والعقود اللازمة، وتسهيل ربط الماء والكهرباء، وإعادة تهيئة التصاميم العمرانية.
— خلية الإدارة والنفوذ :
تكشف المعطيات المتوفرة وجود شبكة موازية تتحرك داخل دهاليز الإدارة، تضم موظفين وخبراء في المساطر الإدارية، يعرفون بدقة كيفية استخراج الوثائق وتتبع الملفات وتحديد نقاط الضعف داخل المنظومة البيروقراطية. ومن بينهم المدعو محمد الدوهري (الملحقة الإدارية 18 بوجدة )، الذي يخصص سجلاً سرياً للمقاول صلاح الدين المومني ويتعامل معه مقابل منافع كثيرة. وكذلك أعوان الدولة، من بينهم عبد الواحد ميساوي، الذي يعمل بشكل شخصي لدى نفس المقاول، بل ويسير بعض الشركات بانتظام عند الضرورة ولحماية المقاول من خطر السجن.
وتقوم الخلية نفسها بمراقبة مسار الملفات داخل مختلف المؤسسات، من الجماعات الترابية إلى المصالح التقنية، مروراً بالمحافظات العقارية والإدارات المكلفة بالتعمير.
— خلية الجبايات والضرائب
تُعد هذه الوحدة واحدة من أكثر الوحدات حساسية داخل الشبكة.
التحقيق الذي تجريه “كواليس الريف” أظهر أن هذه الخلية تتولى دراسة الوضعيات الضريبية للمشاريع والعقارات، والبحث عن الثغرات التي تسمح بإخفاء بعض العمليات أو تعقيد مسارات التتبع المالي. كما تتكلف بإدارة شركات وواجهات تجارية متعددة، بما يسمح بتوزيع الأموال بين عدة قنوات مالية وإضفاء مظهر قانوني على بعض المعاملات. كما هو الشأن بخصوص منح تعويض على القيمة المضافة بناءً على مشروع قُدم على أنه اجتماعي، إلا أنه لم يكن كذلك، فيما خرجت الوثيقة نفسها من قلب إدارة الضرائب بوجدة.
وتشتغل الوحدة نفسها على إعداد الوثائق والعقود والمحاضر المرتبطة بمختلف العمليات. ويشير التحقيق إلى أن هذه الخلية تشكل حجر الأساس في منح المظهر القانوني للمعاملات، حيث يتم إعداد ملفات تبدو في ظاهرها سليمة ومنسجمة مع المساطر الإدارية المعتادة.
— خلية العلاقات المحلية :
تعتمد الشبكة على أشخاص يتمتعون بحضور قوي، ولا سيما ديني، داخل الأحياء والتجمعات السكنية والجمعيات المحلية. ويجدر ذكر المسمى خالد إدريسي، رئيس جمعية أزهار السكينة، الذي يسوق مشروعاً تم بيعه لشركة التطواني التي تعود للمقاول المومني. كما يُذكر المفضل المومني، الأستاذ الجامعي، الذي يسير أخطر بؤرة فساد وتبييض أموال بشركة تقام الدار .
وتقوم هذه العناصر بدور الوسيط بين الشبكة والمواطنين، كما تشرف على تسويق المشاريع واستقطاب المنخرطين وإدارة النزاعات التي قد تنشأ مع المتضررين.
— خلية الضغط والسمسرة والترهيب :
كل تنظيم مافيوي يحتاج إلى ذراع ميداني قادر على فرض الصمت، وهنا يكمن دور السماسرة، من بينهم أستاذ الكاراتيه رضوان أجواو، الذي يقدم نفسه كشخص قادر على حل المشاكل وتسريع المساطر وفتح الأبواب المغلقة. كما يُذكر، فيما يخص جانب الترهيب، المدعو عبد المجيد الدردور، الذي يتكلف بعمليات الاختطاف ومحاولات القتل.
وتشير المعطيات إلى وجود مجموعة متخصصة في ممارسة الضغوط النفسية والاجتماعية على الخصوم والشهود والمبلغين المحتملين، بهدف الحد من تسرب المعلومات أو تعطيل أي محاولة لكشف خيوط الشبكة.
