kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا تستنفر حول سبتة المحتلة .. “غزو مغربي” في العناوين واعتراف استخباراتي بأن الحرب مستبعدة

إسبانيا تستنفر حول سبتة المحتلة .. “غزو مغربي” في العناوين واعتراف استخباراتي بأن الحرب مستبعدة

مرة أخرى، تعود سبتة المحتلة إلى واجهة الإعلام الإسباني، ليس بسبب معركة قائمة أو تهديد عسكري معلن، وإنما بسبب سيناريو افتراضي اختارت بعض المنابر الإسبانية أن تقدمه كما لو أن المنطقة تقف على حافة حرب وشيكة. فقد نشر موقع متخصص في شؤون الدفاع والأمن تقريراً مطولاً يتحدث عن كيفية تنظيم الدفاع عن سبتة المحتلة في حال تعرضها لما سماه “غزواً”، مستعرضاً منظومة من المدفعية الساحلية والصواريخ والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي والدفاع السيبراني.

المفارقة الكبرى في التقرير أن كل هذه الضجة العسكرية تنهار تقريباً أمام اعتراف واضح ورد في متن المقال نفسه، مفاده أن أجهزة الاستخبارات الإسبانية تعتبر العمل العسكري المغربي المباشر “مستبعداً جداً”، ولا ترى في الوقت الراهن مؤشرات علنية على استعداد المغرب لشن هجوم عسكري على المدينة. بمعنى آخر، الحديث عن الصواريخ والمدفعية والطائرات المسيرة لا يستند إلى معلومات عن حرب قادمة، بقدر ما يستند إلى سيناريو افتراضي تستخدمه بعض الدوائر الإعلامية والدفاعية الإسبانية لإعادة إنتاج هاجس قديم حول المدينتين المحتلتين.

التقرير حاول ربط أزمة 30 و31 يوليوز، التي شهدت دخول أعداد كبيرة من الأشخاص إلى باقي التراب الوطني بسبتة المحتلة، باحتمال انتقال الوضع من “الضغط الهجروي” إلى ما تسميه مدريد “المنطقة الرمادية”، ثم إلى تهديد مباشر للأمن الإسباني. غير أن هذا الربط يبدو أقرب إلى قراءة سياسية وأمنية منه إلى معطى عسكري ثابت، خصوصاً أن المقال نفسه يقر بعدم وجود معلومات عامة تثبت أن المغرب يعد لعمل عسكري.

بل إن اللافت هو أن التقرير يضع المطالب المغربية المشروعة بشأن ثغري سبتة ومليلية في السلة نفسها مع ما يسميه “التهديدات الهجينة”، وكأن مجرد استمرار المغرب في التأكيد على حقوقه التاريخية والسيادية في مدينتين تقعان جغرافياً على التراب المغربي يمثل بحد ذاته عملاً عدائياً. وهذه واحدة من أكثر النقاط التي تكشف حدود الرواية الإسبانية: فالمطالبة بالسيادة ليست إعلان حرب، والتمسك بالوحدة الترابية لا يتحول تلقائياً إلى خطة عسكرية.

وفي محاولة لتدعيم فرضية “التهديد”، يستند التقرير إلى دراسة صادرة عن المركز الأعلى للدراسات الدفاعية الوطنية الإسبانية، تناولت حماية سبتة ومليلية وموانئهما في حالات الأزمات. وتطرح الدراسة تصوراً لدفاع متعدد المجالات يشمل المراقبة والاستشعار والاتصالات والطائرات المسيرة والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والدفاع السيبراني، إضافة إلى المدفعية الساحلية والصواريخ والطائرات المسيرة المسلحة في مواجهة التهديدات البحرية.

لكن حتى هنا، يعترف التقرير الإسباني بأن ما ورد في الدراسة ليس جرداً للأسلحة الموجودة فعلياً في سبتة ومليلية، ولا يمثل خطة معركة منشورة لمواجهة المغرب. إنها، ببساطة، قدرات يفترض أن تدخل ضمن أي تخطيط دفاعي محتمل.

والأكثر دلالة أن الميناء يظهر في قلب هذا التصور الدفاعي الإسباني، باعتباره شرياناً حيوياً لاستمرار المدينة في حال وقوع أزمة. فالميناء هو الذي يسمح بوصول الإمدادات والتعزيزات والوقود والمواد الغذائية، وهو ما يكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بتحصين مدينة صغيرة، بل بضمان استمرار اتصالها بشبه الجزيرة الإيبيرية في أي ظرف استثنائي.

وفي هذا السياق، يحاول التقرير تقديم الوجود العسكري الإسباني الدائم في سبتة باعتباره عنصر ردع، مشيراً إلى وجود القيادة العامة وما يرتبط بها من وحدات عسكرية. كما يذكر القيادة العملياتية البرية وبقية القيادات البحرية والجوية والفضائية والسيبرانية التي يمكن أن تشارك في حال تحول الأزمة إلى مواجهة عسكرية.

غير أن الكاتب نفسه يقر بأن إسبانيا لم تنشر أي “خطة معركة” لمواجهة هجوم مغربي محتمل، وأن ما هو متاح للرأي العام لا يتجاوز الإطار العام للبنية العسكرية والقدرات التي يمكن تعبئتها في حالات مختلفة.

أما أزمة يوليوز، التي يحاول التقرير تقديمها كاختبار لهذه المنظومة، فهي في الأصل أزمة ذات طابع أمني وهجروي، وليست مواجهة عسكرية. صحيح أن القوات المسلحة الإسبانية شاركت في عمليات الحضور والمراقبة والدعم، لكن تحويل ذلك إلى مقدمة لسيناريو حرب مع المغرب يبدو مبالغة إعلامية أكثر منه استنتاجاً عسكرياً.

وتزداد المفارقة عندما ينتقل التقرير إلى قرار الحكومة الإسبانية إعلان “وضعية ذات أهمية بالنسبة للأمن الوطني” في سبتة حتى نهاية دجنبر 2026. فحتى هذا القرار، بحسب التقرير ذاته، لا يعني أن مدريد تعتبر أن هناك تهديداً عسكرياً مغربياً، وإنما يرتبط أساساً بتداعيات أزمة الهجرة والحاجة إلى تنسيق مختلف أجهزة الدولة.

وبعبارة أوضح، فإن التقرير يقدم للقارئ صورة عسكرية شديدة الخطورة، لكنه يعود في أكثر من موضع إلى نفي وجود الخطر العسكري الذي يفترض أن تبرره تلك الصورة. مدفعية وصواريخ وطائرات مسيرة وحرب إلكترونية، وفي المقابل اعتراف بأن الحرب المباشرة غير مرجحة. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام استعداد فعلي لمواجهة وشيكة، أم أمام صناعة إعلامية للخوف حول مدينتين تحتلهما إسبانيا منذ قرون؟

ولم يفت التقرير التوقف عند خريطة نشرتها منصة مغربية متخصصة في الشؤون الدفاعية تحت اسم “ديفينس أطلس”، تضمنت سيناريو افتراضياً لما وصفته بـ”تحرير” سبتة. الخريطة أثارت اهتماماً واسعاً على شبكات التواصل الاجتماعي، لكن حتى التقرير الإسباني اضطر إلى الإقرار بعدم وجود أي دليل علني على أن الخريطة وثيقة صادرة عن القوات المسلحة الملكية المغربية أو أنها تعكس خطة عملياتية حقيقية للرباط.

وهذه النقطة بالذات تستحق التشديد، لأن تحويل رسومات أو سيناريوهات منشورة على منصات إعلامية إلى ما يشبه خططاً عسكرية رسمية لا يخدم الحقيقة بقدر ما يغذي المخاوف. فكما تستطيع وسائل الإعلام الإسبانية مناقشة سيناريوهات الدفاع عن سبتة، يستطيع الإعلام المغربي بدوره مناقشة سيناريوهات مستقبلية مرتبطة بقضية السيادة الوطنية، من دون أن يعني ذلك أن قراراً عسكرياً قد اتخذ أو أن حرباً ستندلع غداً.

والأهم أن التقرير الإسباني نفسه يقر بأن السيناريو الأكثر ترجيحاً، وفق تقديرات أجهزته الاستخباراتية، ليس الغزو العسكري وإنما ما يسمى “المنطقة الرمادية”، أي التضليل والهجمات السيبرانية وأعمال التخريب وغيرها. وهذا الاعتراف يفقد سردية “الغزو المغربي” كثيراً من بريقها، لأن الجهة التي يفترض أن تكون الأكثر اطلاعاً على طبيعة التهديد لا تقول إن الدبابات المغربية على وشك التحرك، بل تقول العكس تماماً.

كما أن وضع المغرب في خانة التهديد لمجرد تمسكه بمطلب استرجاع سبتة ومليلية يتجاهل جوهر القضية. فالمغرب لم يعلن حرباً على إسبانيا، ولم يقدم في المعطيات الواردة في التقرير ما يثبت وجود استعداد عسكري مغربي لمهاجمة المدينتين. أما المطالبة بالسيادة، فهي قضية سياسية وتاريخية ووطنية قائمة منذ عقود، ولا يمكن اختزالها في سيناريو عسكري لمجرد أن بعض المنابر الإسبانية قررت إعادة فتح ملف “الغزو”.

وفي النهاية، يكشف التقرير أكثر مما يخفي. فهو يتحدث مطولاً عن الصواريخ والمدفعية والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية، ثم يعترف بأن الهجوم المغربي المباشر مستبعد جداً، ويقر بعدم وجود خطة معركة إسبانية منشورة لمواجهة المغرب، كما يؤكد أن الخريطة المتداولة حول “تحرير” سبتة لا دليل على ارتباطها بالقوات المسلحة الملكية.

وبذلك، يبدو أن المعركة الحقيقية التي تدور حالياً ليست على الأرض، وإنما في الرواية الإعلامية. إسبانيا تريد أن تقدم سبتة ومليلية باعتبارهما خط دفاع أوروبي متقدم، بينما يواصل المغرب التأكيد على أن الأمر يتعلق بأراض مغربية لا يمكن أن تتحول بفعل مرور الزمن إلى حقيقة سياسية نهائية.

أما الحديث المتكرر عن “الغزو”، فيبدو حتى وفق الرواية الإسبانية نفسها أقرب إلى سيناريو افتراضي منه إلى خطر عسكري وشيك. وربما كان الأجدى لمدريد أن تطرح السؤال التاريخي والسياسي الذي يسبق كل خرائط الصواريخ والمدفعية: لماذا ما زالت إسبانيا تحتفظ بمدينتين على الضفة الجنوبية للمتوسط، بينما تنتمي جغرافياً وتاريخياً إلى المجال المغربي؟

فمهما تعددت أنظمة الدفاع، ومهما ارتفعت أعداد الجنود والصواريخ والطائرات المسيرة، تبقى الجغرافيا ثابتة، ويبقى البحر المتوسط فاصلاً بين شبه الجزيرة الإيبيرية وشمال إفريقيا، فيما تظل سبتة ومليلية جزءاً من ملف السيادة المغربية الذي لم يغلقه الزمن، ولن تغلقه الخرائط العسكرية ولا العناوين المثيرة.

01/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts