تدخل دائرة الحسيمة غمار الانتخابات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر 2026، وسط منافسة انتخابية تبدو أكثر تعقيداً من مجرد سباق بين لوائح حزبية. فالمواجهة المنتظرة تختزل صراعاً على النفوذ المحلي، وتكشف في الوقت نفسه عن محاولة عدد من الأحزاب الحفاظ على مواقعها، مقابل رهانات أخرى لإعادة ترتيب موازين القوى وفتح ثغرات في خريطة انتخابية ظلت لسنوات محكومة بأسماء وازنة وشبكات تعبئة راسخة.
وبالنظر إلى طبيعة الأسماء التي اختارتها الأحزاب لخوض هذا الاستحقاق، تبدو دائرة الحسيمة أمام مواجهة بين خبرة انتخابية متراكمة ووجوه جديدة تسعى إلى تغيير قواعد اللعبة، في سباق لا يتسع سوى لأربعة مقاعد بمجلس النواب.
خريطة 2021 وتداعياتها على المشهد التشريعي
تشكل نتائج انتخابات 8 شتنبر 2021 نقطة الانطلاق الأساسية لفهم طبيعة الصراع الحالي، رغم ما عرفته الدائرة من تطورات قانونية وسياسية لاحقة.
فقد تصدر حزب الاستقلال النتائج بواسطة نور الدين مضيان، الذي حصل على أكثر من 22 ألف صوت، فيما حل بوطاهر البوطاهري، مرشح التجمع الوطني للأحرار، ثانياً بأزيد من 19 ألف صوت.
أما المقعدان المتبقيان، فآلا إلى حزب الأصالة والمعاصرة بواسطة محمد الحموتي، وإلى حزب الحركة الشعبية بواسطة محمد الأعرج، بعدما حصل كل منهما على أكثر من 14 ألف صوت.
في المقابل، جاء الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المرتبة الخامسة، متبوعاً بعدد من الأحزاب التي لم تتمكن من الوصول إلى مستوى المنافسة الفعلية على المقاعد.
غير أن هذه الخريطة تعرضت لهزة قانونية وسياسية إثر قرار المحكمة الدستورية في ماي 2022 القاضي بإلغاء نتائج تلك الانتخابات وإسقاط المقاعد الأربعة، وهو ما فرض تنظيم انتخابات جزئية في يوليوز من السنة ذاتها.
وأسفرت الانتخابات الجزئية عن فوز عبد الحق أمغار بمقعد البرلمان عن حزب الاتحاد الاشتراكي، ليعيد بذلك تثبيت موقعه كأحد أبرز الأسماء في المشهد الانتخابي المحلي بالحسيمة.
ولا يمكن قراءة هذه التحولات بمعزل عن نتائج انتخابات 2016، التي أفرزت بدورها خريطة مختلفة. ففي اقتراع 7 أكتوبر 2016، تمكن حزب الأصالة والمعاصرة من الظفر بمقعدين بواسطة محمد الحموتي، بأكثر من 40 ألف صوت، فيما فاز محمد الأعرج عن الحركة الشعبية ونور الدين مضيان عن حزب الاستقلال بالمقعدين الآخرين.
وبين الاستحقاقين، تغيرت المعادلة بشكل لافت؛ فقد خسر حزب الأصالة والمعاصرة أحد مقعديه، بينما تمكن التجمع الوطني للأحرار من دخول تركيبة المقاعد الأربعة، في وقت حافظ فيه حزب الاستقلال على موقعه ورفع رصيده من الأصوات بشكل كبير.
أسماء وازنة في مواجهة رهانات التجديد
تحمل المعركة الانتخابية لسنة 2026 سؤالاً مركزياً: هل تستطيع الوجوه ذات الخبرة الانتخابية الحفاظ على مواقعها، أم أن الناخب الحسيمي يتجه إلى منح فرصة لأسماء جديدة تسعى إلى تغيير قواعد المنافسة؟
ويعود محمد الحموتي إلى واجهة المنافسة باسم حزب الأصالة والمعاصرة، بينما جدد حزب الحركة الشعبية ثقته في محمد الأعرج، في حين يراهن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مجدداً على عبد الحق أمغار.
وتعكس هذه الاختيارات استراتيجية تقوم على استثمار الرصيد الانتخابي والخبرة الميدانية وشبكات التواصل المحلية التي راكمتها هذه الأسماء خلال سنوات من الحضور السياسي والانتخابي.
غير أن الاحتفاظ بالوجوه نفسها لا يعني بالضرورة الاحتفاظ بالمقاعد نفسها، خصوصاً في ظل دخول منافسين جدد إلى السباق ومحاولات إعادة توزيع الأصوات داخل مختلف مناطق الإقليم.
الاستقلال والأحرار .. تغيير الأسماء واختبار الرصيد الانتخابي
في الجهة المقابلة، اتجه حزبا الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار إلى تغيير الأسماء التي تصدرت واجهتهما في انتخابات 2021.
فحزب الاستقلال يخوض الاستحقاق بواسطة محمد الحموداني، خلفاً لـنور الدين مضيان، بينما اختار التجمع الوطني للأحرار كريم البوطاهري لقيادة لائحته.
ويطرح هذا التغيير سؤالاً أساسياً حول قدرة التنظيمين على نقل الرصيد الانتخابي المرتبط بالأسماء السابقة إلى المرشحين الجدد، خصوصاً أن الانتخابات المحلية لا تحسمها قوة العلامة الحزبية وحدها، بل تلعب فيها شخصية المرشح وحضوره الميداني وقدرته على بناء شبكة دعم محلية أدواراً حاسمة.
ولا تقتصر خريطة التنافس الانتخابي بإقليم الحسيمة على الأسماء التي برزت خلال الولاية التشريعية المنقضية، إذ ظهرت بدورها أسماء أخرى تسعى إلى دخول دائرة المنافسة على المقاعد الأربعة، مستفيدة من امتدادات انتخابية محلية وشبكات من العلاقات السياسية والاجتماعية التي جرى بناؤها على مستوى عدد من الجماعات والمناطق.
محمد الأعرج .. رهان الحركة الشعبية على الامتداد الجغرافي
يراهن حزب الحركة الشعبية، من خلال محمد الأعرج، على رصيد انتخابي متراكم، خصوصاً في مناطق جبالة، مع التركيز على دائرة كتامة باعتبارها إحدى أهم نقاط ارتكازه.
ويستند هذا الرهان إلى الحضور في دائرة كتامة، التي تضم سبع جماعات ترابية، بالتوازي مع محاولة توسيع دائرة الحضور نحو جماعات ومناطق أخرى بإقليم الحسيمة.
ولا يبدو أن الحسابات الانتخابية تقتصر على كتامة وحدها، إذ يتجه الرهان إلى بناء امتداد أفقي داخل مناطق أخرى، من بينها أجزاء من جماعة لوطا وجماعة إمزورن، إلى جانب مناطق أخرى بالإقليم.
والهدف من ذلك هو تجميع أصوات من دوائر جغرافية متعددة وعدم حصر الرهان الانتخابي في منطقة واحدة، بما قد يمنح المرشح قدرة أكبر على المنافسة على أحد المقاعد الأربعة.
لطيفة أعبوث .. توسيع القاعدة الانتخابية
وتدخل لطيفة أعبوث، مرشحة حزب الاتحاد الدستوري، السباق الانتخابي وهي تراهن على مجموعة من المعطيات المحلية، في مقدمتها ما تعتبره الأوساط المتابعة للانتخابات قاعدة انتخابية مرتبطة بزوجها، رئيس جماعة إساكن، وتسعى إلى تحويلها إلى رصيد انتخابي على مستوى أوسع من الجماعات المجاورة.
ولا تتوقف حسابات المرشحة عند هذه القاعدة المحلية، بل تشمل أيضاً محاولة استثمار حضورها في عدد من جماعات دائرة كتامة، إلى جانب جماعات دائرة تارجيست ومناطق أخرى تابعة للمجال الانتخابي للإقليم.
ويجعل هذا الامتداد الجغرافي من حملتها محاولة لتجميع أصوات من أكثر من منطقة، بدل الاعتماد على قاعدة انتخابية واحدة، في مسعى لتوسيع دائرة التأثير داخل الخريطة الانتخابية للإقليم.
حنان المعروفي .. رهان العدالة والتنمية على التجديد
تشكل حنان المعروفي، التي اختارها حزب العدالة والتنمية لقيادة لائحته بدائرة الحسيمة، أحد أبرز وجوه التجديد في هذا الاستحقاق، إذ يأتي ترشيحها في سياق سعي الحزب إلى تجاوز النتائج المتأخرة التي حصدها بالدائرة خلال استحقاقات 2021 وإعادة بناء حضوره التنظيمي والمحلي.
ولا تنفصل حظوظ المعروفي عن طبيعة المعادلة الانتخابية المعقدة بالإقليم؛ فمن جهة، تراهن على ورقة التجديد السياسي وتقديم عرض مختلف يستهدف الكتلة الناخبة الصامتة والمترددة، فضلاً عن الفئات الباحثة عن قطيعة مع أساليب العمل التقليدي.
ومن جهة أخرى، تصطدم هذه الطموحات بمنافسة مرشحين يتوفرون على خبرة ميدانية وشبكات انتخابية راسخة، ما يجعل مهمة اختراق الخريطة التقليدية للدائرة تحدياً حقيقياً.
وبذلك، لا يقف رهان العدالة والتنمية عند حدود حصد الأصوات، بل يمتد إلى اختبار مدى قدرة خطاب التغيير على اختراق الحصون الانتخابية التقليدية واستعادة موقع للحزب داخل الدائرة.
أسماء أخرى تدخل الحسابات
وبالموازاة مع الأسماء التي تتصدر واجهة المنافسة، يدخل الاتحاد الدستوري بواسطة لطيفة أعبوث، فيما يراهن حزب التقدم والاشتراكية على محمد بودرة، بينما يدفع تحالف اليسار بالمحامي ياسين الفاسي.
وتمنح هذه الترشيحات السباق الانتخابي بعداً إضافياً، خصوصاً في ظل تعدد الأسماء وتوزع قواعد الدعم بين مختلف المناطق والجماعات، الأمر الذي يجعل احتساب النتائج النهائية أكثر ارتباطاً بتوزيع الأصوات وقدرة كل لائحة على تجميعها داخل مختلف أجزاء الإقليم.
أربعة مقاعد .. لكن المعركة أكبر من أربعة أسماء
المؤشر الأبرز في انتخابات الحسيمة المقبلة هو أن المنافسة لن تكون فقط بين الأحزاب، وإنما بين أنماط مختلفة من العمل السياسي والانتخابي.
فهناك مرشحون يستندون إلى تجربة طويلة وشبكات انتخابية متراكمة، مقابل أسماء جديدة تراهن على خطاب التغيير وتجديد النخب وإعادة تعريف العلاقة بين المنتخب والناخب.
وبين الطرفين توجد كتلة انتخابية قد تكون حاسمة، تتمثل في الناخبين المترددين والأصوات التي لم تحسم خيارها بعد.
كما ستختبر الانتخابات قدرة الأحزاب على تحويل حضورها التنظيمي إلى أصوات فعلية، ومدى قدرة المرشحين على الوصول إلى مختلف مناطق الدائرة وبناء تحالفات انتخابية قادرة على الصمود إلى يوم الاقتراع.
اختبار حقيقي لخريطة النفوذ
مع اقتراب موعد الاقتراع، تبدو دائرة الحسيمة أمام انتخابات تحمل أكثر من عنوان. فهي من جهة اختبار للأحزاب التي تريد الحفاظ على مواقعها، ومن جهة أخرى فرصة أمام قوى سياسية تسعى إلى إحداث اختراق انتخابي وإعادة رسم الخريطة المحلية.
والسؤال الحقيقي لن يكون فقط: من سيفوز بالمقاعد الأربعة؟ بل أيضاً: من يستطيع الحفاظ على نفوذه؟ ومن سيتمكن من بناء نفوذ جديد؟
فإذا نجحت الوجوه التقليدية في الحفاظ على مواقعها، فسيكون ذلك مؤشراً على استمرار قوة شبكاتها الانتخابية وقدرتها على الصمود أمام موجة التجديد.
أما إذا تمكنت الوجوه الجديدة من انتزاع أحد المقاعد، فستكون النتيجة بمثابة مؤشر على بداية إعادة ترتيب المشهد السياسي والانتخابي بدائرة الحسيمة.
وبذلك، تبدو انتخابات 23 شتنبر 2026 أقرب إلى اختبار لموازين القوى المحلية منها إلى مجرد استحقاق عادي؛ أربعة مقاعد فقط، لكن خلفها صراع واسع على النفوذ والتمثيلية والقدرة على التأثير في مستقبل المشهد السياسي بإقليم الحسيمة.
01/09/2026