kawalisrif@hotmail.com

الحسيمة:    “الذهب الأحمر” بين إنقاذ العالم واستنزاف قاع المحمية.. العلماء يسابقون الزمن لحماية المرجان و”الدراز” يطلب غطاسًا ثالثًا

الحسيمة: “الذهب الأحمر” بين إنقاذ العالم واستنزاف قاع المحمية.. العلماء يسابقون الزمن لحماية المرجان و”الدراز” يطلب غطاسًا ثالثًا

لم تعد الشعاب المرجانية حول العالم تواجه أزمة مناخية عنوانها ارتفاع حرارة مياه المحيطات فقط، بل دخلت مرحلة أكثر خطورة، عنوانها هذه المرة هو سباق مع الزمن. فالفاصل بين موجات الحر البحرية يتقلص بشكل متسارع، بينما تحتاج الشعاب إلى سنوات طويلة، وأحيانا عقود، حتى تستعيد عافيتها بعد موجات الابيضاض الجماعي. وبينما ينشغل العلماء عبر العالم بالسؤال عن كيفية إنقاذ ما تبقى من هذه الثروة البحرية، تبرز في الحسيمة مفارقة تكاد تصلح لمشهد ساخر: العالم يبحث عن طرق لحماية “الذهب الأحمر”، وفي المنطقة البحرية “طوبو” هناك “سعادة منير الدراز” يبحث عن غطاس ثالث للمضي قدما في اقتلاعه ومسحه من القاع.

وأظهر أحدث تقييم عالمي لحالة الشعاب المرجانية، المنشور في 31 غشت 2026، أن متوسط الغطاء العالمي للمرجان الصلب خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2024 أصبح أقل بنحو 9.5 في المئة مقارنة بالمستوى المرجعي المسجل بين 1980 و2009. والأكثر إثارة للقلق أن سنة 2024 شهدت أكبر تراجع سنوي في الغطاء المرجاني منذ بدء السجل العالمي، بينما تكشف أبحاث ميدانية من اليابان إلى أستراليا وفلوريدا أن موجات الحرارة باتت تضرب حتى المناطق التي كان العلماء يعتبرونها ملاذات محتملة للمرجان.

والشعاب نفسها مطالبة بالتعافي من ضربة جديدة قبل أن تنهي آثار الضربة السابقة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح كل ضغط بشري إضافي على البيئة البحرية أشبه بمن يطلب من مريض لم يسترد عافيته بعد أن يخوض سباقا جديدا.

ومن هنا تكتسب قضية الحسيمة دلالتها. فبحسب المعطيات، راسل “پاطرون” غرفة الصيد المتوسطية، يطالب بالترخيص لغطاس ثالث للعمل في السفن في المنطقة البحرية “طوبو”، في سياق السعي إلى توسيع استغلال “الذهب الأحمر”. وقبل الانقضاض عليه، فإن المفارقة أصبحت صارخة: في الوقت الذي يقيس فيه علماء العالم درجة حرارة البحر بالكسور العشرية بحثا عن آخر فرصة لإنقاذ المرجان، هناك من يبدو أنه يقيس البحر بعدد الغطاسين القادرين على النزول إلى قاعه للتهام الكنز!

والأكثر إثارة أن هذه المطالب تأتي رغم تحذيرات الأصوات البيئية من مخاطر الضغط على المجال البحري. وهنا يمكن للمرء أن يتساءل بسخرية مريرة: هل المطلوب أن ينتظر المرجان حتى يقدم شكاية إدارية بنفسه؟ أم أن عليه، قبل أن يختفي، أن يرسل ملتمسا مضادا يطالب فيه بالإبقاء على آخر قطعة من موطنه؟

ولا تقف المفارقة عند مسألة الغطاس الثالث، إذ يثير النشطاء أيضا تساؤلات حول ما يعتبرونه محاولة الضغط لاستمالة كتابة الدولة والظفر بالتراخيص والعائدات المالية الخيالية المرتبطة بهذا النشاط، على حساب ما تبقى من الثروة المرجانية بالمنطقة. وهي تداعيات تحتاج إلى مواقف واضحة من الجهات المعنية، خصوصا أن منح أي ترخيص لاستغلال مجال بحري حساس يفترض أن يخضع لمعايير علمية وبيئية دقيقة، لا لمنطق النفوذ والانتماء الحزبي.

فالقضية هنا ليست في شخص الغطاس، ولا في مهنة الصيد أو في حق المهنيين في الاستفادة من الموارد البحرية، وإنما في السؤال الأكبر: ماذا تبقى من البحر إذا تعاملنا معه باعتباره صندوقا ماليا مفتوحا لا نظاما بيئيا يحتاج إلى التجدد؟ فالمرجان ليس مجرد مادة قابلة للاستخراج، بل جزء من منظومة بحرية شديدة التعقيد، وأي استنزاف غير محسوب قد تكون كلفته أكبر بكثير من الأرباح الآنية التي يحققها بعض المستفيدين.

وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود من الرصد، ظل الغطاء العالمي للمرجان الصلب مستقرا نسبيا حتى حدود سنة 2010، قبل أن يبدأ مسار أكثر اضطرابا. وبلغ متوسط الغطاء المرجاني نحو 30.2 في المئة خلال الفترة المرجعية 1980-2009، قبل أن يتراجع إلى حوالي 27.3 في المئة بين 2020 و2024، أي بانخفاض نسبي يقارب 9.5 في المئة.

وعندما ترتفع حرارة المياه إلى مستويات مرهقة، يطرد المرجان الطحالب التكافلية التي تعيش داخل أنسجته وتوفر له جزءا مهما من غذائه، فيفقد ألوانه ويتحول إلى الأبيض. لكن استمرار الإجهاد الحراري أو وصول موجة جديدة قبل اكتمال التعافي يمكن أن يدفعه نحو النفوق.

وهنا تحديدا تتغير طبيعة الأزمة: لم تعد المشكلة مجرد حرارة مرتفعة، بل أصبحت أيضا أزمة وقت. فالشعاب تحتاج إلى فترة هدوء حتى تعيد بناء نفسها، بينما تتقدم موجات الحر بوتيرة أسرع من دورة التعافي. وفي الحسيمة، يصبح السؤال أكثر إلحاحا: إذا كانت الطبيعة نفسها تقول إن المرجان يحتاج إلى الهدوء، فهل الحكمة هي إضافة ضغط بشري جديد إلى المعادلة؟

ومنذ أول حدث عالمي واسع النطاق للابيضاض سنة 1998، شهد العالم ثلاث موجات عالمية أخرى منذ 2010، وصولا إلى موجة 2023-2025 التي كانت الأوسع والأشد في مناطق عديدة. ويصف الباحث مانويل غونزاليس-ريفيرو هذا المسار بأنه أشبه بـ”درج من التراجع”: تهبط الشعاب درجة خلال موجة حر، ثم تستعيد جزءا من خسائرها، قبل أن تصل موجة جديدة فتدفعها إلى مستوى أدنى.

ويحذر عالم البحار كارلوس دوارتي من أن الواقع قد يكون أكثر إثارة للقلق مما تظهره البيانات، مشيرا إلى حالات ابيضاض ونفوق كبيرة في مناطق من أستراليا والبحر الأحمر والكاريبي. وفي الكاريبي، فقدت بعض الشعاب نحو 90 في المئة من تنوعها الجيني، وهو تطور لا يمكن قياس خطورته بمجرد احتساب المساحة التي بقي فيها المرجان حيا.

فالتنوع البيولوجي في الواقع ينهار من الداخل. بعض الأنواع سريعة النمو قادرة على العودة بسرعة بعد الكوارث، لكنها غالبا أكثر حساسية للحرارة، في حين تتراجع الأنواع الأبطأ نموا والأكثر هشاشة. ويشبه الباحث تيري هيوز هذا التحول باستبدال غابة بالعشب: قد تعود المساحة الخضراء، لكن النظام البيئي يصبح أكثر فقرا وأقل قدرة على مقاومة الحريق المقبل.

وتتلقى إحدى فرضيات النجاة ضربة أخرى في اليابان. فقد كان العلماء يعولون على قدرة بعض أنواع المرجان الاستوائي على الانتقال تدريجيا نحو خطوط العرض الأعلى بحثا عن مياه أكثر برودة، لكن موجة الحر البحرية لسنة 2024 أظهرت أن الحرارة بدأت تلحق بالمرجان حتى في مناطقه الجديدة.

وشملت دراسة حديثة ثمانية مواقع على الساحل الياباني بين خطي عرض 24 و35 درجة شمالا، وسجلت جميعها مستويات مرتفعة من الإجهاد الحراري، تجاوزت في بعض المناطق الحدود التي ترتبط عادة بالابيضاض الجماعي. ووصل المؤشر إلى 19.10 درجة مئوية-أسبوع في تسوشيما، و18.73 في تاغوجيما، و17.24 في نومازو.

وفي نومازو تعرض 74 في المئة من المرجان للابيضاض، بينما أصبح 21 في المئة إضافية شاحبا، فيما سجلت بعض أنواع أكروبورا المهيمنة ابيضاضا بنسبة 100 في المئة. أما في تسوشيما، فسجل العلماء للمرة الأولى ابيضاضا مرتبطا بالإجهاد الحراري.

وتزداد أهمية هذه النتائج لأن بعض أنواع المرجان كانت بالفعل تتوسع شمالا على الساحل الياباني بمعدلات تصل إلى 14 كيلومترا سنويا. لكن يبدو أن الاحترار يتحرك بوتيرة أسرع، ما يضعف فرضية أن الهروب نحو الشمال يمكن أن يوفر ملاذا آمنا على المدى الطويل.

ومع ذلك، تكشف اليابان أيضا أن المعادلة ليست حرارية فقط. ففي تاتياما، لم يسجل العلماء ابيضاضا رغم تجاوز مؤشر الإجهاد الحراري 12 درجة مئوية-أسبوع، ما يؤكد أن طبيعة الأنواع والظروف المحلية والتاريخ الحراري لكل تجمع وتوفر الغذاء والضوء يمكن أن تلعب دورا حاسما في تحديد قدرة المرجان على الصمود.

وأمام تقلص الوقت المتاح للتعافي، بدأ العلماء يبحثون عن مرجان قادر على تحمل عالم أكثر سخونة، بدلا من الاكتفاء بمحاولة إعادة الشعاب إلى صورتها القديمة. وفي بالاو، يخضع عدد من المستعمرات لاختبارات حرارية لتحديد الأكثر مقاومة، تمهيدا لإعطائها الأولوية في برامج التكاثر والاستعادة.

وتبدو الفكرة بسيطة: إذا كانت هناك اختلافات طبيعية في قدرة المستعمرات على تحمل الحرارة، فلماذا لا يتم اختيار الأكثر صمودا وتعزيز انتشارها؟ لكن العلماء يحذرون من أن تحمل الحرارة ليس وحده معيار النجاة، فمقاومة الأمراض والقدرة على التكاثر والنمو والتنوع الجيني ونوع الطحالب التكافلية عوامل لا تقل أهمية.

وتكشف تجربة فلوريدا حدود هذه المقاربة. فقد زرعت عشرات الآلاف من المستعمرات المرجانية في فلوريدا كيز، قبل أن تضرب موجة حرارة قياسية سنة 2023 وتقتل تقريبا كل أنواع مرجان قرن الأيل وقرن الوعل، بما في ذلك عدد كبير من المستعمرات التي أعيد زرعها.

ولهذا تتجه بعض البرامج إلى تهجين مستعمرات مرجانية في جنوب فلوريدا مع مستعمرات أكثر تحملا للحرارة من هندوراس، بينما يواصل باحثون آخرون البحث عن الصفات الوراثية والطحالب التكافلية التي تمنح بعض الشعاب قدرة أكبر على الصمود.

لكن هذه الإجراءات، مهما كانت أهميتها، لا تستطيع خفض حرارة المحيطات. وهنا يلتقي العلماء عند خلاصة واضحة: حماية الشعاب محليا يمكن أن تمنحها وقتا إضافيا، لكنها لا تستطيع أن تحل محل خفض انبعاثات غازات الدفيئة على المستوى العالمي. ومن باب أولى، فإن حماية المواقع البحرية الهشة تتطلب مراقبة دقيقة لأي نشاط قد يزيد الضغط عليها، مع شفافية كاملة في التراخيص والمعايير التي تستند إليها.

وتكمن خطورة المعركة في أن الشعاب المرجانية تغطي أقل من 0.2 في المئة من قاع المحيط، لكنها تدعم ما لا يقل عن ربع الأنواع البحرية، كما توفر الغذاء ومصادر الدخل والحماية الساحلية لمئات الملايين من البشر.

وبحسب التقديرات العلمية المرتبطة بالهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، قد يخسر العالم ما بين 70 و90 في المئة من الشعاب المرجانية إذا استقر الاحترار العالمي على المدى الطويل عند 1.5 درجة مئوية، بينما قد تصل الخسارة إلى 99 في المئة عند درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.

وبذلك يتغير معنى “إنقاذ الشعاب”. فلم يعد المطلوب دائما إعادة إنتاج الشعاب التي عرفها العالم قبل عقود، وإنما الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الأنواع والتنوع الجيني والتجمعات القادرة على التكاثر، حتى يبقى شيء يمكنه إعادة بناء النظام البيئي إذا استقرت حرارة الكوكب مستقبلا.

وفي الحسيمة، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه أقوى من كل التبريرات: إذا كان العالم بأسره يتحرك لإنقاذ ما تبقى من الشعاب، وإذا كان العلماء يحذرون من أن المرجان لم يعد يملك الوقت الكافي للتعافي، فهل يكون الحل المحلي هو إضافة غطاس ثالث إلى المعادلة؟ وإذا كان “الذهب الأحمر” ثمينا إلى هذا الحد، فلماذا لا تكون الأولوية لحمايته وتجديده بدل الإسراع في اجتثاثه؟ أما إذا كان هناك من يراهن على “الملايير” التي يمكن أن يجنيها من البحر، فربما عليه أن يتذكر أن الطبيعة لا تمنح عادة فواتيرها دفعة واحدة، لكنها حين تفعل، تكون قيمتها أكبر بكثير من أرباح أي موسم.

المعركة الحقيقية، في نهاية المطاف، ليست مع الحرارة وحدها، بل مع الزمن ومنطق الاستنزاف. فالمرجان يحتاج إلى فترة هدوء بين صدمة وأخرى، وكلما قصرت تلك الفترة، أصبح التعافي ناقصا، وتراجعت قدرة الشعاب على المقاومة، وبدأت الموجة التالية من نقطة أضعف. وفي الوقت الذي يسابق فيه علماء العالم الزمن لإنقاذ “الذهب الأحمر”، تبدو بعض المعارك المحلية وكأنها تسابق الزمن في الاتجاه المعاكس: كم بقي من المرجان حتى نحتاج إلى غطاس رابع؟

01/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts