لم تكن زيارة نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، إلى إقليم الدريوش أمس السبت ، مجرد محطة حزبية عابرة، بعدما اختار الرجل أن يضع ثقله السياسي خلف مرشح الحزب عثمان أوشن، حفيد المستشار البرلماني بوجمعة أوشن، بائع الحشيش المقنن في أوروبا ، والذي إقتنى مقعده في مجلس المستشارين سنة 2021 بمبلغ فاق 300 مليون سنتيم ، عندما إشترى رقاب 23 صوتا من أعضاء جهة الشرق بمبلغ 25 مليون سنتيم للعضو ، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤالاً انتخابياً قديماً بعبارات جديدة: هل الأمر أمام مشروع سياسي جديد، أم هي إعادة تقديم “المنتوج الانتخابي” نفسه في علبة جديدة ؟
فعثمان أوشن لا يدخل إلى السباق من باب مجهول، ولا يحمل اسماً سياسياً طارئاً على المشهد المحلي، بل يأتي محملاً بثقل اسم عائلي حاضر في الحسابات الانتخابية بإقليم الدريوش، وهو ما يجعل ترشحه محط أنظار ومتابعة منذ الإعلان عنه. ومع وصول نبيل بنعبد الله إلى المنطقة وإعلانه دعم مرشح “الكتاب”، تبدو الرسالة السياسية واضحة: الحزب يريد أن يحجز لنفسه مكاناً في الخريطة الانتخابية للإقليم، والمرشح يريد أن يحول الاسم العائلي إلى رصيد حزبي قادر على فتح أبواب القبة.
لكن في الدريوش، لا يكفي أن تكون مرشح حزب سياسي، لأن السؤال الذي سيلاحق عثمان أوشن قبل البرنامج والشعارات هو: ماذا تحمل إلى الناخب غير الاسم والتحالفات؟ وهنا تبدأ القصة الحقيقية، خصوصاً في ظل مسار انتخابي سابق لأفراد العائلة الانتخابية ارتبط بإمكانات مالية كبيرة وتحالفات واسعة للوصول إلى مواقع القرار، سواء داخل البرلمان أو مجلس جهة الشرق أو الجماعات الترابية .
وبينما يُفترض أن تكون الانتخابات مناسبة لعرض البرامج ومناقشة مستقبل المنطقة، يبدو أن بعض النقاشات المحلية تفضل العودة إلى “دفتر الحسابات”: من يملك الأصوات؟ من يستطيع تحريكها؟ من يملك مفاتيح التحالفات؟ ومن يستطيع جمع هذا المنتخب أو ذاك حول مشروعه؟ وكأن العملية الانتخابية لم تعد تحتاج إلى برنامج انتخابي بقدر ما تحتاج إلى “جدول بيانات” يحدد عدد الأصوات ومصدرها واتجاهها!
وتتردد في الأوساط المحلية روايات عن أموال ضخمة استُعملت خلال استحقاقات سابقة في بناء التحالفات واستقطاب الدعم وتدبير الأصوات، بل إن بعض الأرقام تتحدث عن مبالغ تصل إلى “الملايير”. وهي أرقام، إذا صحت، تجعل الانتخابات في الدريوش أقرب إلى مشروع استثماري ضخم منه إلى منافسة سياسية عادية، وتطرح سؤالاً بسيطاً لكنه ثقيل: هل المرشح يستثمر في السياسة، أم أن السياسة أصبحت استثماراً في المرشح؟
والأكثر إثارة أن الحكاية لا تقف عند حدود البرلمان، بل تمتد إلى مجلس جهة الشرق، حيث تتردد بدورها أحاديث عن تحالفات واستمالة منتخبين وترتيبات انتخابية تجعل أصوات الأعضاء جزءاً من معادلة النفوذ. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً: هل قيمة المنتخب في موقفه السياسي وبرنامجه، أم في عدد الأصوات التي يستطيع أن يجلبها معه؟ وإذا كان الصوت الانتخابي قد أصبح له “سعر سياسي”، فماذا بقي من السياسة نفسها؟
وفي مناطق الكبداني وتمسمان الكبرى وجماعات بني توزين وبني وليشك وغيرها من مناطق الإقليم، تستمر، وفق مصادر مقربة من بوجمعة أوشن ، حركة الشبكات والوجوه الانتخابية الدائرة في فلكه ، بين هذا التحالف وذاك، وبين هذا المرشح وذاك، في مشهد يجعل بعض “الكائنات الانتخابية” أشبه بأجهزة قياس للطقس السياسي: تتحرك حيث تكون الرياح أقوى، وتعيد تموضعها قبل أن يعرف المواطن حتى اتجاه الريح ، مسلحة بأظرفة مالية سميكة !
وبهذا المعنى، فإن وصول عثمان أوشن إلى واجهة السباق تحت مظلة “الكتاب” يفتح الباب أمام مواجهة سياسية لا تتعلق فقط بشخص المرشح، وإنما بصورة أوسع بكثير: هل يستطيع حزب التقدم والاشتراكية تقديم عثمان أوشن باعتباره مشروعاً سياسياً مستقلاً، أم أن الاسم العائلي والتحالفات السابقة وشراء الذمم ستكون هي المحرك الحقيقي للحملة؟
دعم نبيل بنعبد الله يمنح عثمان أوشن دفعة سياسية مهمة، لكنه في المقابل يضع الحزب نفسه أمام اختبار صعب. فالناخب الدريوشي لن يسأل فقط عن اسم الأمين العام الذي جاء لدعم المرشح، بل سيسأل عن البرنامج، وعن فرص التشغيل، وعن الصحة والتعليم، وعن الطرق، وعن الفلاحة، وعن الاستثمار، وعن مستقبل المنطقة في ظل التحولات الكبرى التي تعرفها جهة الشرق، وعلى رأسها مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط.
الدريوش لا تحتاج إلى سباق على من يملك أكبر شبكة انتخابية، ولا إلى منافسة في من يستطيع حشد أكبر عدد من الوجوه والمنتخبين، بل تحتاج إلى من يستطيع إقناع المواطن بأن صوته يمكن أن يصنع فرقاً حقيقياً، لا أن يتحول إلى مجرد رقم داخل ماكينة انتخابية ضخمة.
أما الحديث عن “الملايير”، فيكشف حجم أزمة الثقة التي يمكن أن تصيب أي استحقاق انتخابي عندما يصبح المال والتحالفات والولاءات أكثر حضوراً في النقاش من البرامج والمشاريع. وإذا كانت الأرقام المتداولة مجرد مبالغات انتخابية، فليتم كشف حقيقتها؛ أما إذا كان وراءها شيء من الواقع، فهنا لا يعود الأمر مجرد نكتة انتخابية، بل يصبح سؤالاً جدياً حول قواعد اللعبة الانتخابية ومن يملك مفاتيحها.
وفي خضم كل هذه الحكاية، يطل “الوريث السياسي” على المشهد، حاملاً معه اسماً عائلياً ثقيلاً، ومسنوداً هذه المرة بزعيم حزبي. وكأن السياسة أصبحت شبيهة بدفتر الحالة المدنية: الأب يفتح الباب، والابن يدخل، والمقعد البرلماني ينتظر دوره في “التسليم والتسلم”! غير أن البرلمان ليس ملكية عائلية، والسياسة ليست تركة تُوزع بين أفراد الأسرة، والناخب بالتأكيد ليس موظفاً لدى العائلة حتى يوقّع على محضر انتقال السلطة من جيل إلى آخر.
فالطريق إلى القبة لا يفترض أن يبدأ من شجرة النسب، ولا أن يمر من خزينة المال، ولا أن يتسلل عبر كواليس التحالفات و”الصفقات” الانتخابية، وإنما من الطريق الوحيد الذي يفترض أن يحسم كل شيء: صناديق الاقتراع. فالصندوق لا يعرف الأب من الابن، ولا يسأل عن اسم العائلة، ولا يحصي حجم الإمكانات المالية، ولا يهتم بعدد المنتخبين المصطفين خلف هذا التحالف أو ذاك. الصندوق لا يريد كل هذه التفاصيل؛ يريد فقط ورقة واحدة تحمل قرار المواطن.
ومن هنا تبدأ الورطة الحقيقية أمام عثمان أوشن و”الكتاب”. فالمطلوب ليس فقط أن يربح المرشح سباقاً انتخابياً، وإنما أن يقنع الدريوش بأن ما يقدم لها ليس مجرد “إعادة تغليف” لمنتوج انتخابي قديم صعد بالمال السياسي ، ولا نسخة جديدة من وصفة سياسية سبق أن جُرّبت، وإنما مشروع سياسي حقيقي يستحق أن يحمل اسماً مستقلاً عن ظله العائلي.
والسؤال الذي قد يكون أكثر إزعاجاً من كل الخطب والشعارات واللافتات الانتخابية هو: هل نحن أمام مشروع سياسي جديد يريد أن يشق طريقه من الصفر، أم أمام “وريث سياسي” وصل إلى الحلبة وفي يده مفتاح جاهز لباب ظل مفتوحاً أمام العائلة؟ وهل نحن أمام مرشح يريد صناعة اسمه بنفسه، أم أمام اسم عائلي يبحث عن مقعد سياسي جديد؟
الجواب لن تمنحه المؤتمرات الحزبية، ولن تصنعه خطابات الزعماء، ولن تحسمه اجتماعات الكواليس ولا صور الدعم السياسي. وحده الناخب الدريوشي يملك القلم الأخير في هذه القصة، وسيضع النقطة في آخر السطر داخل صندوق الاقتراع.
وهناك، تحديداً، سيتضح إن كان عثمان أوشن قد دخل الانتخابات باعتباره “وريثاً سياسياً” يحمل اسماً جاهزاً، أم باعتباره مرشحاً عليه أن يثبت أن لديه اسماً سياسياً خاصاً به. لأن القبة، مهما بدا الطريق إليها معبداً، لا تُورّث… والصوت الانتخابي ليس إرثاً عائلياً !
06/09/2026