في بركان، يبدو أن الحملة الانتخابية لمحمد إبراهيمي، رئيس جماعة بركان عن حزب الأصالة والمعاصرة والمرشح للبرلمان، اكتشفت وصفة انتخابية لا تحتاج إلى كثير من الإبداع: خذ مشاريع الدولة، ضعها في واجهة الحملة، احذف أسماء الشركاء والوزارات والمؤسسات الأخرى، ثم أعد تقديمها للناخبين وكأنها إنجازات شخصية تستحق التصويت. وصفة بسيطة جداً، لولا أن المشكلة فيها أن الساكنة ليست فاقدة للذاكرة، وبركان ليست مدينة بلا أرشيف.
إبراهيمي بائع “البيطون” الذي راكم سنوات طويلة في تدبير الشأن المحلي، وسبق له أن ترأس جماعة فزوان، يدخل اليوم غمار التنافس البرلماني بخطاب يبدو فيه رئيس الجماعة أكثر حضوراً من البرلماني. وهنا يبرز السؤال الذي يبدو أنه لا يجد مكاناً مريحاً في الحملة: أين الحصيلة البرلمانية؟ أين القوانين والمبادرات والملفات التي دافع عنها؟ وأين ما عاد به من البرلمان إلى بركان؟ أم أن أسهل طريقة لتغطية حصيلة البرلمان هي ببساطة فتح خزانة مشاريع الدولة والجهة وغيرها ؟
المشكلة أن هناك فرقاً بين أن تكون رئيساً لجماعة تنجز مشروعاً، وبين أن تكون برلمانياً يشرح للناخبين ماذا فعل داخل المؤسسة التشريعية. أما أن يأخذ المسؤول المشاريع التي أنجزت باسم الجماعة، ويضع عليها ملصقاً انتخابياً جديداً، فذلك يشبه إلى حد كبير تغيير غلاف الكتاب ثم مطالبة القارئ باعتبار أن المؤلف تغير. المشاريع العمومية ليست إرثاً شخصياً، والميزانية الجماعية ليست دفتر شيكات انتخابياً، والشراكات المؤسساتية ليست تفاصيل يمكن حذفها من الصورة عندما يحين موعد التصويت.
في ملف النظافة وتدبير النفايات، مثلاً، خاضت جماعة بركان تجربة إحداث شركة للتنمية المحلية، مع الحديث عن الفرز المنزلي والتعاون مع تعاونيات متخصصة. لكن التجربة نفسها لم تكن بمنأى عن الجدل والانتقادات، وارتبطت بملفات فساد ومتابعات قضائية طالت بعض المسيرين، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس من يملك صورة المشروع، بل من يملك الشجاعة لتقديم حصيلته كاملة: ماذا تحقق؟ كم كلف؟ ما الذي نجح؟ ما الذي تعثر؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن الاختلالات التي أثيرت والتي تعاني منها بركان ، والتي تسبب لها فيضانات موسمية ؟
والأكثر إثارة أن بعض المشاريع يبدو أنها تخضع لعملية “ترحيل انتخابي” عجيبة: المشروع يولد في المدينة، تمولها مؤسسات وقطاعات حكومية ، ينجز باسم العمالة، ثم عندما تقترب الانتخابات يجد طريقه فجأة إلى خطاب المرشح وكأنه خرج من مكتبه الشخصي. هكذا تختفي الجماعة، ويتوارى الشريك، وتُنسى الاتفاقيات، ويبقى اسم واحد في الواجهة. إنها ليست معجزة تنموية، بل معجزة في إعادة توزيع الفضل.
حتى مشاريع سقي المساحات بالمياه المعالجة لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة لمحو المؤسسات التي ساهمت فيها. وكذلك مشاريع الطرقات والبنيات التحتية؛ فالطريق التي أنجزتها مؤسسة عمومية أو شراكة متعددة الأطراف لا تصبح ملكية سياسية خاصة لمجرد أن رئيس الجماعة حضر اجتماعاً أو ظهر في صورة. وإلا فإننا سنصل قريباً إلى مرحلة يصبح فيها كل متر من الإسفلت مشروعاً شخصياً، وكل عمود إنارة إنجازاً انتخابياً، وكل حديقة دليلاً على عبقرية فرد واحد.
أما الأحياء ناقصة التجهيز، فهنا تصبح الحكاية أكثر سخونة. فالساكنة التي عاشت مشاكل التهيئة والتعمير والسكن غير المنظم لا تحتاج إلى أحد ليكتشف لها الحي بعد سنوات من المعاناة. وإذا جاءت التهيئة اليوم، فالسؤال ليس فقط من دشنها، بل لماذا انتظرتها هذه الأحياء كل هذه المدة؟ ومن يتحمل مسؤولية الاختلالات والتأخر؟ وهل يكفي أن تعالج المشكلة بعد سنوات حتى تتحول المسؤولية عن تأخرها إلى وسام انتخابي؟
ثم نصل إلى المجزرة، و”الدوارة”، و”الكرعين”، و”الغنمي والبكري”، والمسبح الذي ظل مغلقاً لسنوات، وغيرها من الملفات التي تجد نفسها فجأة في قلب الموسم الانتخابي. وكأن بركان تتحول كل بضع سنوات إلى مسرح لإعادة عرض المسرحية نفسها، مع تغيير بسيط في الديكور: المشروع ذاته، والوعود ذاتها، لكن هذه المرة مع مكبر صوت انتخابي أعلى. والمواطن مطلوب منه أن يصفق للمشروع عندما ينجز، ثم يصفق مرة أخرى عندما يعاد تقديمه انتخابياً.
لكن هنا بالضبط يجب أن يتوقف التصفيق ويبدأ السؤال: أين البرلماني؟
فالناخب لا يصوت لرئيس جماعة داخل البرلمان، ولا يمنح صوته لمشروع طريق أو حديقة أو مجزرة. هو يصوت لشخص يفترض أن يمثل المنطقة في المؤسسة التشريعية. ولذلك يريد أن يعرف ماذا فعل داخل البرلمان، وما هي الملفات التي حملها، وما هي المبادرات التي تقدم بها، وما هي القضايا التي دافع عنها، وما الذي استطاع تحقيقه لفائدة بركان من موقعه البرلماني. أما أن تقدم له مشاريع الجماعة جواباً عن هذه الأسئلة، فذلك أشبه بإجابة تلميذ عن امتحان في مادة أخرى.
وإذا كان المسؤول يملك حصيلة جماعية قوية، فليقدمها باسم الجماعة، بكل وضوح واحترام للمؤسسة والشركاء. وإذا كان يملك حصيلة برلمانية، فليقدمها هي أيضاً بالأرقام والوثائق والملفات. أما جمع الحصيلتين في سلة انتخابية واحدة، ثم مطالبة المواطن بعدم التمييز بينهما، فهو تبسيط مفرط للسياسة واستخفاف بذكاء الناخب. فبركان ليست مكتباً انتخابياً كبيراً، ورئيس الجماعة ليس مالكاً خاصاً للمشاريع العمومية.
والحديث عن الحكامة والشفافية وتحسين أداء الجماعة لا يمكن أن يكون مظلة تغطي كل شيء. إذا كانت هناك تتويجات ومراتب متقدمة، فلتعرض معاييرها ومؤشراتها ومصادرها. وإذا كانت هناك حصيلة ناجحة، فلتعرض كاملة، بما فيها نقاط الضعف والتعثر والملفات التي لم تجد طريقها إلى الحل. لأن الشفافية الحقيقية لا تعني فقط عرض ما يلمع، وإنما أيضاً فتح الأدراج التي تحتوي على الأسئلة المحرجة.
المشهد يبدو واضحاً: رئيس الجماعة يريد أن يخوض معركة البرلمان بجرد مشاريع لم يكن طرفا في تخقيقها ، والناخب يريد أن يعرف حصيلة البرلماني. وبين الاثنين مسافة لا يمكن تغطيتها بالصور ولا بالشعارات ولا بإعادة تسمية المشاريع. فالمشروع العمومي له مؤسسة وميزانية وشركاء واختصاصات، أما الإنجاز البرلماني فله سؤال آخر تماماً: ماذا فعل النائب داخل البرلمان؟
لذلك، فإن أقوى ما يمكن أن يقال في وجه هذا النوع من الخطاب الانتخابي هو أن بركان ليست “مخزناً انتخابياً” للمشاريع، ولا يجوز تحويل كل ما أنجزته الجماعة إلى رصيد شخصي قابل للاستثمار السياسي. من حق رئيس الجماعة أن يدافع عن حصيلته المحلية، ومن حق البرلماني أن يدافع عن حصيلته التشريعية، لكن ليس من حق الخطاب الانتخابي أن يمحو الحدود بين الاثنين ثم يطلب من المواطن أن يصفق للخلطة وكأنها إنجاز جديد.
وقد يكون المطلوب بسيطاً جداً ولا يحتاج إلى كل هذه الزخرفة: افتحوا ملف البرلمان أولاً، ثم افتحوا ملف الجماعة. قولوا للبركانيين ماذا فعل البرلماني، وماذا فعل رئيس الجماعة، ومن أنجز ماذا، ومن موّل ماذا، ومن شارك في ماذا. أما أن يحمل رئيس الجماعة مشاريع الجماعة إلى الحملة البرلمانية، ثم يطلب من الناخب أن يراها باعتبارها حصيلة شخصية، فذلك ليس عرضاً انتخابياً للإنجاز، بقدر ما هو إعادة تدوير للإنجاز نفسه حتى يصبح المشروع الواحد مشروعين على الورق… وربما ثلاثة في موسم الانتخابات.
20/09/2026