في مؤشر جديد على التحولات التي تشهدها خريطة النقل البحري والتجارة الدولية، سجّل ميناء روتردام الهولندي تراجعاً حاداً بنسبة 20 في المائة في حركة إعادة شحن الحاويات خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026، رغم حفاظه على استقرار شبه تام في إجمالي تداول الحاويات، في وقت ارتفعت فيه حركة البضائع الإجمالية بنسبة 0.9 في المائة، لتصل إلى 323.2 مليون طن.
وبحسب المعطيات التي أعلنتها إدارة ميناء روتردام، بلغ حجم تداول الحاويات 10.751 ملايين وحدة مكافئة لعشرين قدماً (TEU)، مسجلاً نمواً محدوداً بنسبة 0.1 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. غير أن هذا الاستقرار الإجمالي يخفي تفاوتاً واضحاً بين أنشطة الميناء، خصوصاً في ظل الانخفاض الكبير في عمليات إعادة الشحن، التي تشكل أحد المكونات الأساسية للمنافسة بين الموانئ الدولية الكبرى.
ويبرز هذا التباين بصورة أوضح عند التمييز بين الحاويات التي يجري نقلها من سفينة إلى أخرى، والبضائع المرتبطة بالأسواق والمناطق الصناعية والاستهلاكية داخل القارة الأوروبية. ففي الوقت الذي تراجعت فيه الكميات المنقولة بالحاويات، محسوبة بالطن، بنسبة 2.2 في المائة، ارتفعت حركة الحاويات المرتبطة بالمناطق الداخلية لأوروبا بنسبة 7.2 في المائة، مدفوعة أساساً بانتعاش الواردات.
وسجلت الحاويات المحملة الواردة ارتفاعاً بنسبة 8.9 في المائة، بينما زادت الصادرات بنسبة 1 في المائة، بعد مرحلة من الانكماش. وأدى اختلال التوازن بين تدفقات الواردات والصادرات إلى ارتفاع عدد الحاويات الفارغة التي يجري نقلها، بما يعكس التغيرات التي تعرفها حركة المبادلات التجارية عبر أحد أبرز المراكز اللوجستية الأوروبية.
وأرجعت إدارة الميناء تراجع نشاط إعادة الشحن إلى محدودية الطاقة الاستيعابية التي تواجهها منذ فترة محطات الحاويات في المياه العميقة، الأمر الذي دفع جزءاً من البضائع إلى المرور عبر موانئ أخرى. وفي المقابل، أتاح هذا التحول تحرير قدرات إضافية داخل روتردام لفائدة حركة البضائع المنقولة براً ونهراً نحو المناطق الداخلية للقارة الأوروبية.
وعلى مستوى طبيعة البضائع، ارتبط النمو الإجمالي المسجل خلال الأرباع الثلاثة الأولى من السنة بارتفاع حركة الفحم والمواد الصلبة السائبة الأخرى والنفط الخام والمنتجات النفطية، بينما تراجعت حركة خام الحديد والخردة المعدنية والمواد الزراعية السائبة والغاز الطبيعي المسال والبضائع العامة.
وسجلت المواد الصلبة السائبة نمواً بنسبة 2.1 في المائة، مدفوعة بارتفاع حركة الفحم بنسبة 15.3 في المائة، وزيادة المواد الصلبة السائبة الأخرى بنسبة 15 في المائة. في المقابل، انخفضت حركة خام الحديد والخردة المعدنية بنسبة 5.9 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج الصلب في ألمانيا بنسبة 6 في المائة، كما تراجعت حركة المنتجات الزراعية السائبة بنسبة 11.4 في المائة.
وتربط إدارة الميناء جانباً من هذه التطورات بانخفاض مستويات المياه في الأنهار الأوروبية، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل وتعقيد عمليات إمداد الصناعات بالمواد الأولية. كما عزت نمو حركة الفحم إلى انتعاش الطلب المرتبط بصناعة الصلب، إلى جانب ارتفاع الاستهلاك الموجه إلى إنتاج الكهرباء.
أما المواد السائلة السائبة، فقد ارتفعت حركتها بنسبة 3.1 في المائة، مع زيادة تداول النفط الخام بنسبة 2.1 في المائة. وسجلت صادرات المنتجات النفطية قفزة بنسبة 31.9 في المائة، مقابل انخفاض الواردات بنسبة 6.9 في المائة، بينما تراجعت حركة الغاز الطبيعي المسال بنسبة 0.2 في المائة، وانخفضت باقي المواد السائلة السائبة بنسبة 3.8 في المائة.
وفي ما يتعلق بالبضائع العامة، تراجعت الحركة بنسبة 1.4 في المائة. ورغم ارتفاع عمليات الشحن الأفقي، التي تشمل أساساً المركبات والمقطورات، بنسبة 0.7 في المائة، انخفضت حركة باقي البضائع العامة بنسبة 10.2 في المائة، في تطور يعكس الصعوبات التي تواجه الصناعة التحويلية الأوروبية، خصوصاً قطاعي الآلات والسيارات.
وأكد الرئيس التنفيذي لإدارة ميناء روتردام، بوديفين سيمونز، أن النتائج المسجلة تعكس قدرة الميناء على التكيف مع التغيرات التي تعرفها تدفقات التجارة والطاقة، مشدداً على أهمية مواصلة الاستثمار في شبكات الربط السككي والطرقي والنهري مع المناطق الداخلية لأوروبا، بالنظر إلى دورها في ضمان الإمدادات وتعزيز سلاسل النقل والخدمات اللوجستية.
وتكشف هذه الأرقام أن المنافسة بين الموانئ البحرية الكبرى لم تعد تُقاس فقط بحجم الحاويات والبضائع التي تمر عبر الأرصفة، بل أيضاً بقدرة كل ميناء على استقطاب التدفقات التجارية والحفاظ على حصته من عمليات إعادة الشحن، إلى جانب توفير الربط الفعال مع الأسواق الداخلية. وبينما يحافظ روتردام على موقعه بوصفه أحد أهم المراكز البحرية الأوروبية، فإن خسارته خُمس حركة إعادة الشحن تطرح تساؤلات حول التحولات الجارية في توزيع الأدوار داخل شبكة الموانئ الدولية، ومدى قدرة البنيات التحتية والاستثمارات الجديدة على إعادة رسم موازين المنافسة خلال السنوات المقبلة.
17/10/2026