kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا :      برنامج “من دون خطة” يسقط في فخ الصحراء المغربية.. والتلفزيون الرسمي يستنفر مقص الرقابة هربا من جغرافيا أربكت خصوم الوحدة الترابية !

إسبانيا : برنامج “من دون خطة” يسقط في فخ الصحراء المغربية.. والتلفزيون الرسمي يستنفر مقص الرقابة هربا من جغرافيا أربكت خصوم الوحدة الترابية !

في مشهد يكشف حجم الحساسية السياسية والإعلامية التي ما تزال تحيط بقضية الصحراء المغربية داخل إسبانيا، سحب التلفزيون العمومي الإسباني (RTVE) حلقة من برنامجه الوثائقي “من دون خطة” (Sin Plan) من منصته الرقمية، بعدما أثارت إشارات إلى الصحراء باعتبارها جزءا من المغرب موجة من الاعتراضات والشكاوى.

وبينما بررت المؤسسة قرارها بضرورة تصحيح ما وصفته بـ”المعلومات غير الدقيقة”، برز سؤال محرج: هل أصبح وصف الواقع الميداني في الأقاليم الجنوبية للمملكة يستدعي استنفارا إعلاميا لمجرد أنه لا ينسجم مع الرواية التي يتبناها بعض المعترضين؟ أم أن الجغرافيا باتت، في نظر هؤلاء، مادة قابلة للمراجعة كلما اصطدمت الوقائع بحسابات السياسة؟

الحلقة، التي بثت الأحد الماضي ضمن مغامرات الرحالة وصانع المحتوى الإسباني شارلي سينيوان، تناولت رحلة عبر الصحراء المغربية، وتضمنت إشارات إلى المغرب في سياق الحديث عن الإجراءات الإدارية والمعابر الحدودية التي واجهها فريق التصوير خلال تنقله.

لكن ما كان يمكن أن يظل وصفا لتجربة ميدانية عادية تحول إلى قضية إعلامية، بعدما توالت الشكاوى الموجهة إلى هيئة الدفاع عن المشاهدين داخل التلفزيون العمومي، في محاولة لدفع المؤسسة إلى مراجعة مضمون الحلقة وسحب نسختها المنشورة مؤقتا.

وهكذا، وجد برنامج يحمل اسم “من دون خطة” نفسه وسط عاصفة من الاعتراضات، وكأن الرحالة كان مطالبا، قبل تشغيل الكاميرا، بالحصول على تأشيرة سياسية من أصحاب القواميس الجاهزة، والتأكد من أن عدسته لن تلتقط ما لا يروق لهم!

والأكثر إثارة للانتباه أن الواقعة لم تتوقف عند حدود المراجعة المهنية، بل امتدت إلى مطالب بإقرار سياسة تحريرية خاصة بالمصطلحات المستخدمة بشأن الصحراء، في خطوة تطرح تساؤلات حول حدود الضغط على المؤسسات الإعلامية.

فهل المطلوب تصحيح أخطاء حقيقية أم فرض قاموس سياسي محدد على كل مادة إعلامية تتناول الأقاليم الجنوبية للمملكة؟ وهل يكفي أن تعترض جهة ما على عبارة حتى تصبح خطأ مهنيا؟ وهل بات على الصحافي أن يستشير أصحاب المواقف السياسية قبل أن يصف ما شاهده على الأرض؟

إن المهنية تقتضي التحقق من المعلومات وتصحيحها عند الضرورة، لا إخضاعها لمقص رقابي يتحرك كلما أثارت الوقائع انزعاجا لدى هذا الطرف أو ذاك.

وبحسب ما أوردته الصحافة الإسبانية، أقرت الجهة المنتجة بوجود تعبيرات اعتبرتها غير دقيقة، وأعلنت استعدادها لتعديلها، لكنها شددت على أن الإشارات إلى المغرب ارتبطت بإجراءات إدارية، ولم يكن الهدف منها إصدار موقف بشأن السيادة.

غير أن هذا التوضيح لم ينه الجدل، إذ واصلت الجهات المعترضة انتقاد المحتوى، واعتبرت أن الترويج للسياحة في المنطقة يساهم في تطبيع الوضع القائم.

وهنا تتجلى المفارقة: كيف يمكن لرحلة سياحية أو وصف ميداني أن يتحولا إلى معركة مصطلحات لمجرد أن الصورة المنقولة لا تنسجم مع الرواية التي يسعى أصحابها إلى فرضها؟ يبدو أن المشكلة، في نظر هؤلاء، ليست دائما فيما تعرضه الكاميرا، بل في أنها قد تكشف حياة يومية لا تتوقف عند حدود الشعارات السياسية.

إن ما جرى يكشف أن الصحراء المغربية لم تعد مجرد موضوع جغرافي في النقاش الإعلامي الإسباني، بل أصبحت اختبارا حقيقيا لقدرة بعض المنابر على التعامل مع التحولات السياسية والاستراتيجية التي تعرفها المنطقة.

فبدلا من تقديم تغطية متوازنة تنقل الوقائع كما عاشها الرحالة على الأرض، اندفع النقاش نحو لغة الاتهام والضغط، وكأن مجرد الإشارة إلى الروابط الإدارية والحركة اليومية في الأقاليم الجنوبية كفيل بإطلاق إنذار سياسي داخل المؤسسة الإعلامية.

وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال هو ما إذا كانت المعلومة دقيقة، بل ما إذا كانت مريحة بما يكفي حتى يُسمح لها بالبقاء على الشاشة. إنها مفارقة تستحق التأمل: برنامج يعلن أنه يسافر “من دون خطة”، لكن مجرد اقترابه من ملف الصحراء المغربية يكفي، على ما يبدو، لاستدعاء خطط الطوارئ داخل غرف التحرير!

والأشد غرابة أن الواقعة ليست الأولى من نوعها. فقد سبق لبرامج ومواد إخبارية تابعة للتلفزيون الإسباني أن أدرجت مدينة الداخلة ضمن المجال المغربي في سياقات إعلامية مختلفة، كما ظهرت خرائط تضم الصحراء إلى المغرب في نشرات إخبارية سابقة، قبل أن تخضع بدورها للتعديل.

وتكرار هذه الحالات يضع المؤسسة أمام سؤال مشروع: هل يتعلق الأمر بأخطاء تحريرية متفرقة، أم بارتباك أعمق في التعامل مع ملف تتداخل فيه الحسابات السياسية والتاريخية والدبلوماسية؟

وإذا كان كل ظهور لخريطة أو وصف جغرافي قادرا على استدعاء موجة جديدة من الجدل، فربما حان الوقت لمراجعة معايير التحرير قبل مراجعة الخرائط، لأن الشاشة لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة تتغير فيها الوقائع بحسب حجم الضجيج.

بالنسبة إلى المغرب، تظل الأقاليم الجنوبية جزءا من وحدته الترابية، وتواصل المملكة تعزيز حضورها التنموي والمؤسساتي بها، في وقت يتواصل فيه النقاش الدولي بشأن التسوية السياسية للنزاع.

لكن الدفاع عن الموقف المغربي لا يحتاج إلى المبالغة أو تحويل كل واقعة إعلامية إلى اعتراف قانوني، بل يستند إلى عرض الوقائع، وإبراز التحولات على الأرض، ومساءلة الخطاب الذي يخلط بين التغطية الصحافية والمواقف السياسية المسبقة.

فالمهنية لا تقاس بعدد الحلقات التي تنجو من الشكاوى، وإنما بقدرة المؤسسة على التحقق من المعلومات وتفسير قراراتها بشفافية. كما أن قوة الموقف الوطني لا تحتاج إلى صراخ إعلامي كي تثبت حضورها، بل إلى وقائع راسخة وخطاب واضح وقدرة على تفكيك الادعاءات بالحجة والدليل.

أما محاولة تصوير كل نشاط سياحي أو إداري في الصحراء المغربية باعتباره تطبيعا مع “الاحتلال”، فهي مقاربة تختزل حياة السكان اليومية في شعارات سياسية، وتتجاهل أن المدن والمجتمعات لا تتوقف عن العيش والعمل والتنقل لأن نزاعا سياسيا ما يزال قائما.

كما أن اعتماد مصطلحات ذات حمولة سياسية لا يعفي أي وسيلة إعلامية من واجب التحقق والتوازن، تماما كما أن الاعتراض على مصطلح لا يمنح أصحابه حق فرض روايتهم على الجميع.

فالرحالة الذي يوثق مسارا أو يتحدث عن إجراء إداري ليس بالضرورة بصدد صياغة بيان دبلوماسي، حتى وإن بدا أن بعض الجهات تريد تحويل كل كاميرا إلى منصة للمرافعة السياسية، وكل مشهد ميداني إلى امتحان للولاء لرواية بعينها.

وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى المسار الدبلوماسي المرتبط بقضية الصحراء المغربية، تبدو هذه الواقعة اختبارا لمصداقية الإعلام الإسباني أكثر مما هي انتصار لأي طرف.

فالمؤسسة العمومية التي تسحب حلقة عقب موجة من الشكاوى مطالبة بتوضيح معاييرها التحريرية بشفافية، وبيان ما إذا كان الحذف مؤقتا لتصحيح أخطاء محددة، أم استجابة لاعتراضات على الطريقة التي وصف بها الرحالة ما شاهده خلال رحلته.

أما الاكتفاء بعبارة “معلومات غير دقيقة” من دون تحديدها بوضوح، فقد يترك الباب مفتوحا أمام الشكوك بشأن الخط الفاصل بين التصحيح المهني والاستجابة للضغط السياسي. فالمصداقية لا تُصان بإخفاء المادة المثيرة للجدل، بل بتفسير الأخطاء المزعومة وتقديم الأدلة التي تثبتها.

لقد كشفت هذه القضية أن المعركة حول الصحراء المغربية لا تدور فقط في قاعات الدبلوماسية، بل تمتد أيضا إلى الخرائط والشاشات والمصطلحات التي تستخدمها وسائل الإعلام.

وبينما يواصل المغرب الدفاع عن وحدته الترابية ومصالحه الوطنية، يبقى التحدي أمام الإعلام الإسباني هو إثبات أن مهنيته لا تتغير بتغير الضغوط، وأن تصحيح المعلومات لا يعني إخضاع الوقائع لرقابة أيديولوجية.

أما خصوم الوحدة الترابية للمملكة، مهما اختلفت واجهاتهم وأساليبهم، فلن يجعلوا من الاعتراض المتكرر على المصطلحات بديلا عن النقاش الجاد، ولن تتحول الشكاوى الإعلامية إلى وسيلة لاحتكار وصف الواقع أو مصادرة حق الآخرين في نقل ما يشاهدونه.

وفي نهاية المطاف، قد تختفي حلقة من منصة رقمية، وقد يعاد تحرير وصف أو تعديل خريطة، لكن ذلك لن يحسم نزاعا سياسيا ولن يمنح أي طرف احتكار الحقيقة. فالصحراء المغربية أكبر من معركة على عبارة في برنامج تلفزيوني، والأقاليم الجنوبية ليست مجرد مادة لإثارة الجدل، بل فضاء يعيش فيه الناس وتتشكل فيه الوقائع على الأرض.

أما الإعلام الذي يتراجع كلما ارتفعت أصوات الاحتجاج، فعليه أن يجيب عن سؤال واحد: هل يصحح الأخطاء حفاظا على المصداقية، أم يحذف ما لا يرضي أصحاب الضغط؟

والأشد سخرية أن برنامجا اختار لنفسه اسم “من دون خطة” انتهى به الأمر إلى مواجهة عاصفة من الحسابات السياسية؛ وكأن الخطة الوحيدة التي لم تكن في الحسبان هي أن تتحول رحلة تلفزيونية إلى امتحان لحرية الإعلام، وأن تصبح لقطة من الواقع أكثر إزعاجا لبعض الأصوات من ساعات طويلة من الجدل السياسي.

لكن الرسالة الأوضح تبقى أن الضجيج لا يغيّر الوقائع، وأن الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة لا يتوقف عند شاشة تُطفأ أو حلقة تُسحب، بل يستند إلى موقف وطني ثابت وعمل متواصل وحجج لا تمحوها مقصات الرقابة.

22/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts