في تحول لافت يعيد ملف الشباب السوريين إلى واجهة النقاش السياسي والأمني في هولندا، وجّه رئيس المجلس التنفيذي لبلدية آرنهايم، المغربي أحمد ماركوش، انتقادات مباشرة إلى الحكومة الهولندية بسبب التأخر في حسم الوضع القانوني لبعض القاصرين السوريين، محذراً من تداعيات ترك مراهقين في الرابعة عشرة والخامسة عشرة من أعمارهم يعيشون لسنوات في دوامة الانتظار والغموض بشأن مستقبلهم.
وتأتي مواقف ماركوش في سياق جدل متصاعد بمدينة آرنهيم، عقب مواجهات عنيفة بين مجموعات من الشباب السوريين في وسط المدينة، أثارت مخاوف السكان وأصحاب المحال التجارية، وأعادت إلى الواجهة أسئلة الأمن العام وحدود مسؤولية السلطات في التعامل مع السلوكيات العنيفة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشباب لا تزال أوضاعهم القانونية والاجتماعية معلقة.
وفي مقابلة مع صحيفة هولندية، شدد رئيس البلدية على أن استمرار حالة الغموض لسنوات أمر يصعب تبريره، متسائلاً بلهجة استنكارية: “لا يمكنك أن تترك شباباً في عمر 14 أو 15 عاماً ينتظرون لسنوات، أليس كذلك؟”.
ولا تعني دعوة ماركوش إلى تسريع الإجراءات القانونية التساهل مع أعمال العنف أو التقليل من خطورتها، بقدر ما تعكس إصراراً على ضرورة معالجة الملف من زاويتين متكاملتين: حماية السكان وفرض احترام القانون من جهة، ووضع حد لحالة الانتظار الطويل التي تحرم القاصرين من معرفة ما ينتظرهم من جهة أخرى.
فبالنسبة إلى رئيس بلدية آرنهيم، لا يمكن ترك مراهقين في مرحلة حساسة من حياتهم من دون أفق واضح، ثم الاكتفاء بالتدخل بعد تفاقم المشكلات. إذ إن غياب الاستقرار القانوني والاجتماعي قد يعمّق الشعور بالإحباط ويضعف فرص الاندماج، ما يجعل التدخل المبكر والتوجيه الاجتماعي والتعليمي جزءاً أساسياً من أي مقاربة فعالة.
غير أن هذه الاعتبارات لا تلغي، في المقابل، حق السكان في الشعور بالأمان، ولا تعفي المتورطين في الاعتداءات الخطيرة من المساءلة القانونية. فالتحدي الذي تواجهه البلدية يتمثل في منع تحول الشوارع إلى فضاءات للصدام، من دون اختزال قضية الشباب السوريين برمتها في الوقائع الأمنية التي تورط فيها بعضهم.
وتكتسب تصريحات ماركوش أهمية إضافية بالنظر إلى مواقفه السابقة، حين دعا، عقب حوادث العنف التي شهدتها المدينة، إلى اتخاذ إجراءات حازمة بحق المتورطين في أعمال خطيرة، بما في ذلك النظر في أوضاع إقامتهم وإمكانية إعادتهم إذا ثبت عدم امتلاكهم حقاً قانونياً في البقاء بهولندا.
وبين الموقفين، لا يبدو أن رئيس البلدية يتراجع عن ضرورة تطبيق القانون، بقدر ما يوجّه جزءاً من المسؤولية إلى الحكومة المركزية في لاهاي، التي تتحمل مسؤولية حسم ملفات الإقامة واللجوء وفق الإجراءات القانونية المعمول بها. فحين تطول فترة الانتظار إلى سنوات، يبرز التساؤل بشأن مدى قدرة السلطات المحلية على احتواء تداعيات اجتماعية وأمنية ترتبط، في جانب منها، بقرارات لا تملك البلديات صلاحية حسمها.
وتكشف هذه المعادلة عن مأزق يتجاوز مدينة آرنهيم، إذ تجد البلديات الهولندية نفسها في مواجهة يومية مع تحديات الاندماج والأمن والتماسك الاجتماعي، بينما تبقى بعض القرارات الحاسمة بشأن مستقبل طالبي اللجوء والقاصرين بيد السلطات الوطنية.
وتعيد القضية فتح النقاش حول نجاعة السياسة الهولندية في تدبير ملفات اللجوء، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقاصرين والشباب الذين يقضون فترات طويلة في انتظار قرارات تحدد مستقبلهم. فبين ضرورة حماية المجتمع من العنف، والحاجة إلى توفير مسارات قانونية واضحة وفرص حقيقية للتعليم والاندماج، تبدو المقاربة الأمنية وحدها عاجزة عن تقديم حل مستدام.
وفي الوقت نفسه، فإن منح الشباب وضوحاً بشأن وضعهم القانوني لا يمكن أن يكون بديلاً عن المحاسبة، كما أن التشدد في مواجهة العنف لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاهل آثار التأخير الإداري على القاصرين.
وبذلك، يضع أحمد ماركوش الحكومة الهولندية أمام معادلة واضحة: لا استقرار من دون أمن، ولا معالجة جادة للمشكلات الاجتماعية من دون قرارات قانونية في الوقت المناسب. أما ترك المراهقين سنوات في منطقة رمادية، بين انتظار القرار ومواجهة تبعات الحياة اليومية، فقد يفاقم أزمة كان من الممكن احتواؤها في مراحل مبكرة.
25/10/2026