في مشهد يكشف حجم التناقضات التي تعصف بالمشهد السياسي الإسرائيلي، خرج يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بتصريحات مثيرة للجدل، وضع فيها المواطنين العرب داخل إسرائيل في خانة التهديد الأكبر لبقاء الدولة العبرية، مباشرة بعد البرنامج النووي الإيراني، وكأن ملايين البشر الذين يعيشون على أرضهم ويمارسون حقوقهم السياسية أصبحوا، فجأة، أخطر على مستقبل إسرائيل من ترسانات المنطقة وأزماتها الأمنية المتلاحقة.
ونشر يائير نتنياهو، الجمعة، تدوينة على منصة “إكس”، استند فيها إلى نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 27 أكتوبر الجاري، مدعياً أنها كشفت أن “أكبر خطر يهدد بقاء دولة إسرائيل، باستثناء البرنامج النووي الإيراني، هو ما يُطلق عليهم العرب 48 في إسرائيل”. وأضاف أن أي دولة لا يمكنها الاستمرار على المدى الطويل إذا كان عشرون في المائة من سكانها، بحسب زعمه، يتعاطفون مع أعدائها ويتمنون تدميرها.
وبهذه اللغة، اختار نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يضع شريحة واسعة من المواطنين العرب في قفص الاتهام الجماعي، من دون أن يقدم في تدوينته ما يثبت هذه المزاعم، في خطاب يخلط بين الهوية والانتماء السياسي، ويحوّل الاختلاف في المواقف والخيارات الانتخابية إلى تهمة تمس الولاء للوطن. ويبدو أن الديمقراطية تكون موضع ترحيب حين تأتي نتائج صناديق الاقتراع وفق الحسابات المطلوبة، لكنها تتحول إلى مصدر قلق عندما تمنح المواطنين العرب وزناً سياسياً لا يمكن تجاهله.
ولم يكتف يائير نتنياهو باستهداف عرب الداخل، بل وسّع دائرة هجومه لتشمل المسلمين في أوروبا، مدعياً أن فرنسا تغرق بسبب سكانها المسلمين، ومقدماً الإسلام باعتباره أيديولوجية سياسية لا تنسجم، وفق تصوره، مع إمكانية التعايش بين المسلمين وغير المسلمين، مستشهداً بتجارب من لبنان وأوروبا والولايات المتحدة. وهكذا انتقل الخطاب من التشكيك في ولاء المواطنين العرب داخل إسرائيل إلى إطلاق أحكام واسعة على المسلمين في قارة بأكملها.
ولم يتأخر الرد السياسي، إذ واجه النائب العربي أحمد الطيبي تصريحات نجل نتنياهو بلهجة حادة، مذكّراً إياه بأنه يقيم في مدينة ميامي الأمريكية، بينما يواصل إصدار الأحكام على المواطنين العرب الذين يعيشون داخل إسرائيل ويتحملون تبعات السياسات والقرارات اليومية للحكومة الإسرائيلية.
وقال الطيبي إن “هذا العاطل عن العمل المقيم في ميامي يخرج علينا مجدداً بتصريح عنصري ومعادٍ للسامية بامتياز”، مضيفاً أن العرب يعملون بكرامة لكسب عيشهم، على عكس شخص يكتفي بإطلاق التغريدات من مقر إقامته في الولايات المتحدة.
ووصف الطيبي سلوك يائير نتنياهو بأنه أقرب إلى البلطجة السياسية، مؤكداً عزمه مواصلة العمل من أجل مستقبل قائم على التعاون والمساواة في الحقوق، ومندداً بما وصفه بالواقع المظلم الذي خلقه بنيامين نتنياهو. كما وجّه رسالة سياسية واضحة، قائلاً إنه في حال تنظيم جولة ثانية من الانتخابات، فإن الأحزاب العربية ستكون أكثر عدداً وأشد عزماً.
وتكمن المفارقة السياسية في أن الأحزاب العربية، التي اختار نجل رئيس الوزراء وضعها في خانة الخطر على وجود الدولة، حصدت تسعة عشر مقعداً في الكنيست، وفق المعطيات الواردة في التقرير، لتتحول إلى قوة سياسية وازنة في معادلة تشكيل الحكومة، خصوصاً بعدما لم تسفر الانتخابات عن أغلبية واضحة لأي طرف. وبذلك، أصبحت الأصوات التي يجري التشكيك في ولائها جزءاً من الحسابات الانتخابية التي يصعب على المعسكرات المتنافسة تجاوزها.
ويبدو أن المشكلة، وفق ما تعكسه هذه التصريحات، لا تتعلق فقط بوجود المواطنين العرب أو مواقفهم، بل أيضاً بحجم تأثيرهم السياسي عندما تتحول أصواتهم إلى عنصر حاسم في موازين السلطة. فبدلاً من التعامل مع نتائج الانتخابات باعتبارها تعبيراً عن خيارات الناخبين، اختار نجل رئيس الوزراء تقديمها باعتبارها مؤشراً على خطر وجودي، في قراءة تطرح أسئلة جدية بشأن حدود الاعتراف بالتعددية السياسية داخل إسرائيل.
وليست هذه المرة الأولى التي يثير فيها يائير نتنياهو الجدل بسبب منشوراته. ففي عام 2017، نشر رسماً كاريكاتورياً على موقع “فيسبوك” تضمن رموزاً اعتُبرت معادية للسامية، وظهرت فيه شخصيات من بينها الملياردير جورج سوروس ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، قبل أن يحذفه لاحقاً، بعدما حظي بإشادة شخصيات مرتبطة بالتيار النازي الجديد في الولايات المتحدة.
وفي العام نفسه، أثار جدلاً إضافياً بعدما اعتبر أن الحركات المناهضة للفاشية في الولايات المتحدة وحركة “حياة السود مهمة” تشكلان خطراً أكبر من النازيين الجدد. كما واجه انتقادات واسعة عام 2020 إثر منشور تمنى فيه أن يكون كبار السن الذين قد يواجهون خطر الوفاة عقب مشاركتهم في مظاهرة ضد والده من أنصار المعسكر السياسي المناوئ له.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن الاستفزازات المتكررة لنجل رئيس الوزراء ساهمت في توتر علاقته بالمشهد الداخلي، إلى درجة أن بنيامين نتنياهو طلب منه التوقف عن نشر تدويناته على مواقع التواصل الاجتماعي، قبيل انتقاله للإقامة في ميامي عام 2023.
وبينما تتسع الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، تفتح تصريحات يائير نتنياهو جبهة جديدة من الجدل حول مكانة المواطنين العرب وحقوقهم السياسية، خصوصاً عندما تتحول نتائج صناديق الاقتراع إلى مادة للتشكيك في ولاء شريحة من الناخبين. والمفارقة التي تستحق التوقف عندها أن نجل رئيس الحكومة يقيم في ميامي، لكنه وجد في أصوات العرب داخل إسرائيل خطراً يتقدم، في خطابه، على معظم التحديات التي تواجه الدولة العبرية، وكأن المشكلة ليست في الأزمات التي تعيشها إسرائيل، بل في مواطنين يشاركون في انتخاب مؤسساتها ويطالبون بحقوقهم داخلها.
30/10/2026