لم تكن جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن الصحراء المغربية مجرد مواجهة عابرة حول تمديد ولاية بعثة المينورسو، بل تحولت إلى مشهد كاشف لحقيقة التحالفات والحسابات الضيقة التي تتحكم في مواقف عدد من الدول، بعدما عجز المجلس عن تمرير المشروع الأمريكي ، وسط اصطفافات تطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفياتها وأهدافها.
واللافت في هذه المواجهة أن بعض الدول التي ترفع شعارات التضامن والتعاون الدولي لم تتردد في كشف طبيعة حساباتها السياسية، وفي مقدمتها الصومال وباكستان، الراعيتان للإرهاب ، اللتان اختارتا مواقف مثيرة للجدل، بينما ذهبت الصين إلى دعم المشروع الروسي الآخر ، في مشهد يعكس كيف يمكن للمصالح والتحالفات أن تتقدم على الاعتبارات المعلنة للشرعية والاستقرار الدوليين.
فالمشروع الأمريكي حصل على تأييد 11 عضوا، هي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والبحرين وكولومبيا والكونغو الديمقراطية والدنمارك واليونان ولاتفيا وليبيريا وبنما، بينما امتنعت الصين والصومال وباكستان عن التصويت، قبل أن تستخدم روسيا حق النقض لإسقاطه.
أما المشروع الروسي، فقد كان أكثر عزلة، إذ لم يتمكن من جمع سوى ثلاثة أصوات، هي روسيا والصين والصومال، في حين صوتت الولايات المتحدة ضده، واختارت 11 دولة الامتناع عن دعمه.
وهنا تبرز المفارقة الصارخة في موقف الصومال، الذي لم يكتف بالامتناع عن دعم المشروع الأمريكي، بل منح صوته للمشروع الروسي، في اصطفاف يثير تساؤلات جدية حول المعايير التي تحكم مواقفه داخل مجلس الأمن، وحول مدى انسجام هذا التوجه مع مسؤولية الدول الأعضاء في دعم الاستقرار والبحث عن حلول للنزاعات.
أما باكستان، فقد اختارت بدورها موقف المتفرج عبر الامتناع عن التصويت على المشروع الأمريكي، في خطوة تضع دبلوماسيتها أمام أسئلة بشأن دوافع هذا الخيار، خصوصا في ملف تتشابك فيه الاعتبارات الإقليمية والدولية.
والأكثر إثارة للانتباه هو الموقف الصيني؛ فبكين التي تقدم نفسها باعتبارها قوة دولية تدافع عن مبادئ السيادة وعدم التدخل، وجدت نفسها تصوت إلى جانب مشروع روسي لم يحظ إلا بثلاثة أصوات. وهو ما يكشف، على الأقل، أن حسابات التنافس الاستراتيجي مع واشنطن حاضرة بقوة في طريقة تعاملها مع هذا الملف، وأن خطاب المبادئ لا يمنعها من الاصطفاف عندما تلتقي المصالح.
أما روسيا، فقد كشفت مرة أخرى أن حق النقض ليس بالضرورة أداة لبناء التوافق الدولي، بل يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتعطيل مشاريع الآخرين عندما تتعارض مع حسابات موسكو. فإسقاط المشروع الأمريكي، رغم حصوله على دعم 11 عضوا، ثم تقديم مشروع لم يستقطب سوى صوتين إضافيين إلى جانب روسيا، يطرح سؤالا جوهريا حول الغاية الحقيقية من هذا التحرك.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية الوثيقة التي تربط موسكو بالجزائر، وما توفره هذه العلاقات من مصالح وصفقات وعوائد مالية لروسيا، وهو ما يجعل التساؤل مشروعا حول مدى تأثير هذه الحسابات في مواقفها من قضية الصحراء المغربية. فهل يتعلق الأمر بالدفاع عن مبادئ أم بحماية شبكة من المصالح التي لا تريد موسكو التفريط فيها؟
إن حصيلة التصويت وضعت هذه الدول أمام اختبار سياسي واضح، وأظهرت أن مجلس الأمن ليس دائما ساحة للاحتكام إلى منطق التسوية، بل قد يتحول إلى مسرح لتصفية الحسابات وتبادل الدعم بين القوى التي تبحث عن توسيع نفوذها وحماية مصالحها.
وبالنسبة للمغرب، فإن هذه الاصطفافات تكشف أهمية قراءة المواقف الدولية بعيدا عن الشعارات، والتمييز بين الدول التي تدعم مسارا سياسيا جديا وتلك التي توظف الملف لخدمة أجندات أخرى.
لقد انتهت الجلسة دون حسم، لكن نتائجها كشفت الكثير: مشروع أمريكي حصد 11 صوتا وأسقطه الفيتو الروسي، ومشروع روسي لم يجد سوى ثلاثة أصوات، فيما اختارت الصين والصومال وباكستان مواقف تعكس حسابات سياسية تستحق المساءلة والتحليل.
31/10/2026