دخل المغرب مرحلة جديدة في تحديث قدراته الجوية، بعدما شرعت شركة “إل3 هاريس” الأمريكية فعلياً في تنفيذ برنامج لتحديث عدد من طائرات النقل العسكري “سي-130 هيركوليس” التابعة للقوات الجوية الملكية المغربية، في خطوة تعكس توجهاً مغربياً نحو إطالة عمر الأسطول الحالي ورفع جاهزيته بدل الاكتفاء باقتناء منصات جديدة.
وأعلنت الشركة الأمريكية أن أول طائرة مغربية ضمن البرنامج أنهت عمليات الفحص الأولية، وهي توجد حالياً في منشآت الشركة بمدينة واكو في ولاية تكساس، حيث تخضع لأعمال الصيانة والإصلاح، بالتوازي مع تحديث أنظمة القياس وعرض بيانات المحرك. وبذلك يكون البرنامج قد انتقل من مرحلة العقود إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، بعد أن حصلت الشركة في يوليوز 2025 على عقد متعدد السنوات لتحديث عدد من طائرات “سي-130” المغربية.
ولم تكشف “إل3 هاريس” عن القيمة المالية للعقد أو العدد الإجمالي للطائرات التي ستخضع للتحديث، غير أن البرنامج سيعرف خلال خريف 2026 إدخال طائرة ثانية، على أن تنضم طائرة ثالثة في وقت لاحق من السنة نفسها. وستحصل الطائرة الثالثة على تحديث أكثر شمولاً، يشمل تحويل قمرة القيادة إلى نظام رقمي بالكامل.
المثير في العملية أن الأمر لا يتعلق بمجرد صيانة دورية لطائرات عسكرية قديمة، وإنما بمحاولة إعادة ضخ التكنولوجيا الحديثة في أسطول أثبت أهميته داخل منظومة النقل الجوي العسكري المغربي. فالبرنامج يشمل تعديلات على الطائرات، وصيانة عميقة، ومراجعة للمحركات، ودعماً لوجستياً، إلى جانب تحديث أنظمة إلكترونيات الطيران، بما يسمح للطائرات بالبقاء في الخدمة لعقود إضافية.
وتراهن الشركة الأمريكية على تقليص المدة التي تبقى فيها الطائرات خارج الخدمة بسبب الصيانة، مع رفع جاهزيتها التشغيلية. أما بالنسبة إلى المغرب، فإن تمديد عمر طائرات “سي-130” يعني الحفاظ على قدرة مهمة في مجال نقل القوات والمعدات والقيام بالمهام اللوجستية لمسافات بعيدة، دون الحاجة إلى استبدال الأسطول بأكمله بطائرات جديدة خلال فترة قصيرة.
لكن القصة لا تتوقف عند تكساس. فالمغرب يتحرك في الوقت نفسه لبناء قدرات وطنية في مجال صيانة وتحديث الطائرات العسكرية. فقد انطلقت أشغال إنشاء مركز جديد للصيانة في بنسليمان، مخصص للصيانة الثقيلة وتحديث طائرات “سي-130 هيركوليس” و”إف-16″، بمشاركة شركات مغربية وبدعم من “لوكهيد مارتن” الأمريكية.
هذا المشروع يحمل دلالة استراتيجية واضحة، لأنه لا يستهدف فقط إصلاح الطائرات، بل تطوير خبرات وطنية في الصيانة والإصلاح والمراجعة، وتكوين التقنيين المغاربة، بما قد يقلل تدريجياً من الحاجة إلى إرسال كل منظومة عسكرية إلى الخارج عند الحاجة إلى أعمال صيانة أو تحديث متقدمة.
وفي الوقت نفسه، يتوسع التعاون العسكري بين الرباط وواشنطن على أكثر من جبهة. فالمغرب يعمل على تحديث 23 مقاتلة “إف-16” إلى معيار “إف-16 في”، كما اقتنى 25 مقاتلة جديدة من طراز “إف-16 سي/دي بلوك 72″، ليصل مجموع الأسطول المستهدف إلى 48 مقاتلة بين الطائرات المحدثة والجديدة.
ولا يتعلق الأمر بالطائرات وحدها، إذ تتجه المنظومة أيضاً نحو تعزيز قدرات الضربات بعيدة المدى، مع صواريخ “أتاكمس” ومنظومات “هيمارس” وصواريخ “جي إم إل آر إس”، بالتوازي مع تعاون متزايد بين المغرب والقيادة الأمريكية في إفريقيا في مجال التدريب والتجارب العسكرية.
وفي غشت الماضي، برز هذا التعاون بشكل أوضح من خلال تجربة إطلاق نار حي في طانطان ضمن مركز التدريب والتجريب متعدد المجالات الإفريقي، حيث تم اختبار صاروخ تابع لشركة أمريكية، في مؤشر آخر على انتقال التعاون العسكري المغربي الأمريكي من مجرد صفقات اقتناء إلى مجالات التدريب والتجريب وتطوير القدرات.
وتكشف هذه التطورات مجتمعة أن الرباط لا تراهن فقط على شراء أسلحة وطائرات جديدة، بل تعمل على بناء منظومة متكاملة تجمع بين الاقتناء والتحديث والصيانة والتكوين والتجريب وتطوير البنية الصناعية المرتبطة بالدفاع.
أما طائرات “سي-130″، التي تنتمي إلى جيل أقدم من طائرات النقل العسكري، فتبدو اليوم وكأنها تحصل على عمر جديد بفضل التكنولوجيا الحديثة. فبدلاً من وضعها جانباً لمجرد تقدمها في السن، يجري تحديث أنظمتها ومحركاتها وإلكترونيات طيرانها، بما يسمح لها بمواصلة أداء مهامها لسنوات طويلة.
والرسالة الأبرز هنا أن المغرب لا يبدو مهتماً فقط بالسؤال التقليدي: كم طائرة نملك؟ بل بالسؤال الأكثر أهمية: كم سنة يمكن أن تبقى هذه الطائرات جاهزة؟ وأين يمكن صيانتها؟ ومن يملك الخبرة اللازمة لتحديثها؟
ومن هذه الزاوية، فإن برنامج “سي-130” ومركز بنسليمان لا يمثلان مجرد مشروعين تقنيين منفصلين، بل جزءاً من مسار أوسع تسعى من خلاله المملكة إلى تعزيز استقلالية منظومتها العسكرية في مجالات الصيانة والإدامة والتحديث.
وبينما تراقب المنطقة سباق التسلح وتحديث الأساطيل الجوية، يواصل المغرب بناء قدراته بهدوء، من الطائرات المقاتلة إلى طائرات النقل، ومن الصواريخ بعيدة المدى إلى مراكز الصيانة والتجريب. وقد يكون التطور الأكثر أهمية في هذه المعادلة ليس وصول طائرة جديدة إلى مدرج مغربي، وإنما امتلاك القدرة على إبقاء الطائرة الموجودة في السماء لسنوات وعقود إضافية.
فالطائرة التي تحصل على إلكترونيات جديدة ومحركات مجددة وعمر تشغيلي ممتد، قد تكون أحياناً أكثر قيمة من طائرة جديدة تنتظر سنوات حتى تدخل الخدمة. وفي الحسابات العسكرية، يبدو أن المغرب بدأ يلعب هذه اللعبة على أكثر من رقعة في الوقت نفسه.
01/09/2026