لم يعد الصراع داخل أروقة كرة القدم العالمية مجرد خلاف حول المصالح التجارية أو طريقة تدبير موارد الاتحاد الدولي لكرة القدم، بعدما دخل الملف مرحلة أكثر حساسية مع تحرك الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أمام القضاء الأمريكي لجمع وثائق وأدلة قد تُستخدم لاحقاً في إجراءات قضائية محتملة بسويسرا ضد رئيس “فيفا” جياني إنفانتينو.
وسط هذه المواجهة التي تتسع رقعتها يوماً بعد آخر، ظهر اسم المغرب داخل الوثائق المتداولة، ليس باعتباره متهماً أو طرفاً في الدعوى، وإنما في سياق مزاعم وتقارير إعلامية تتحدث عن حسابات انتخابية مرتبطة برئاسة “فيفا” وعن الصراع المحتدم حول استضافة نهائي كأس العالم 2030.
وبحسب الوثائق المشار إليها في الملف، فقد لجأ الاتحاد الأوروبي إلى القضاء الفيدرالي في نيويورك من أجل الحصول على مراسلات ووثائق وشهادات مرتبطة بمشروع استثماري كان يستهدف فتح جزء من الحقوق التجارية التابعة للاتحاد الدولي أمام مستثمرين من القطاع الخاص.
وتتمحور القضية حول مشروع كان يقترح بيع حصة تقارب 20 في المائة من كيان مكلف باستغلال أصول تجارية مرتبطة بمسابقات “فيفا”، مقابل نحو 4.2 مليارات دولار، وهو ما كان سيعني تقييماً إجمالياً يناهز 20 مليار دولار.
غير أن المشروع اصطدم بمعارضة قوية، في مقدمتها انتقادات تتعلق بكيفية تحديد قيمة الصفقة، وبغياب مزايدة مفتوحة أو تقييم مستقل، فضلاً عن الطريقة التي جرى بها إعداد المشروع داخل دائرة محدودة من الأطراف قبل أن يتراجع تحت وطأة الاعتراضات.
ولم يتعامل الاتحاد الأوروبي مع القضية باعتبارها مجرد صفقة تجارية فاشلة، بل فتح مساراً قانونياً لجمع الأدلة، مستفيداً من آلية قضائية أمريكية تتيح الحصول على وثائق موجودة داخل الولايات المتحدة بهدف استخدامها في إجراءات قضائية خارجها.
وتقول الهيئة الأوروبية إنها تدرس إمكانية اللجوء إلى القضاء السويسري، على أساس شبهات تتعلق بما تصفه بسوء الإدارة الجنائي في طريقة إعداد المشروع واتخاذ القرارات المرتبطة به.
في المقابل، يرفض الاتحاد الدولي لكرة القدم هذه الرواية، ويعتبر التحرك الأوروبي جزءاً من حملة تستهدف إنفانتينو، مؤكداً أن المشروع كان يهدف، بحسب روايته، إلى تعزيز الموارد المالية الموجهة إلى تطوير كرة القدم عبر الاتحادات الأعضاء، وليس تحقيق مصالح شخصية.
لكن أكثر أجزاء الملف إثارة للجدل هو ذلك الذي يقود مباشرة إلى المغرب.
ففي مذكرة قضائية أودعت أمام المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك بتاريخ 27 غشت 2026، جرى استحضار تقارير إعلامية تحدثت عن سعي إنفانتينو إلى الحصول على دعم مغربي قبل الانتخابات المقبلة لرئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم، المقرر تنظيمها في الرباط خلال مارس 2027.
وتربط هذه التقارير بين الحسابات الانتخابية المزعومة وبين ملف بالغ الحساسية بالنسبة للمغرب: نهائي كأس العالم 2030.
فالمملكة، التي ستنظم المونديال إلى جانب إسبانيا والبرتغال، تتطلع إلى احتضان المباراة النهائية في الملعب الكبير المرتقب بمنطقة الدار البيضاء، وهو المشروع الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز المرشحين لاستضافة الحدث الأهم في البطولة.
ومن هنا بدأت فرضية سياسية شديدة الحساسية تظهر داخل الصراع: هل يمكن أن تكون معركة نهائي مونديال 2030 قد دخلت، بشكل أو بآخر، في حسابات الانتخابات المقبلة لرئاسة “فيفا”؟
حتى الآن، لا توجد في المعطيات المعروضة إدانة قضائية لإنفانتينو، كما أن ورود اسم المغرب في الوثائق لا يعني وجود أي اتهام موجه إلى المملكة أو إلى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
بل إن الاتحاد الدولي لكرة القدم نفى بشكل قاطع المزاعم التي تتحدث عن تقديم إنفانتينو وعداً للمغرب بشأن نهائي كأس العالم مقابل دعم انتخابي، مؤكداً أن قرار تحديد الملعب الذي سيحتضن المباراة النهائية لم يُتخذ بعد، وأن الأمر سيحسم وفق المساطر المعتمدة.
لكن مجرد ظهور المغرب في هذه الوثائق يكشف حجم الرهان المحيط بمونديال 2030، ويعطي فكرة عن مدى تشابك المصالح الرياضية والاقتصادية والانتخابية داخل أعلى هرم لكرة القدم العالمية.
القضية، في واقع الأمر، لم تعد تتعلق فقط بمشروع استثماري تبلغ قيمته مليارات الدولارات. فالمواجهة بين الاتحاد الأوروبي وقيادة “فيفا” تبدو وكأنها تتجه إلى اختبار أكبر يتعلق بطريقة إدارة الاتحاد الدولي، وبالتحالفات التي تتحكم في موازين القوى داخله، وبمستقبل القيادة التي تستعد لخوض محطة انتخابية حاسمة في 2027.
ويزداد المشهد تعقيداً مع ارتباط اسم المستثمر الأمريكي جوشوا كوشنر بالمشروع، بعدما تحدث لاحقاً عن صعوبة تقدير حجم التعقيدات السياسية التي تحيط بكرة القدم العالمية، في إشارة إلى أن المشروع لم يكن مجرد عملية مالية عادية كما قد يبدو للوهلة الأولى.
وهكذا، وجد المغرب نفسه حاضراً في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل كرة القدم العالمية، دون أن يكون طرفاً فيها أو متهماً في مسارها القضائي.
غير أن حساسية الملف تكمن في مكان آخر: انتخابات رئاسة “فيفا” من جهة، ونهائي كأس العالم 2030 من جهة ثانية، ومشروع استثماري بمليارات الدولارات من جهة ثالثة.
ومع استمرار المسار القضائي في الولايات المتحدة، تبقى الأنظار متجهة إلى الوثائق التي قد تظهر تباعاً، خصوصاً أن أي مراسلات جديدة قد تكشف طبيعة الاتصالات التي سبقت سقوط المشروع، وحقيقة الحسابات السياسية التي أحاطت به، ومدى ارتباطها بالصراع على النفوذ داخل كرة القدم العالمية.
وبذلك، قد تكون المواجهة قد بدأت بصفقة تجارية، لكنها اليوم تقترب من أن تتحول إلى معركة مفتوحة على النفوذ والانتخابات والمال، فيما يقف المغرب في خلفية واحدة من أكثر الملفات سخونة قبل موعد انتخاب رئيس “فيفا” الجديد في 2027.
06/09/2026