في مبادرة بيئية تعكس أهمية التعاون المغربي الإسباني في مجال حماية الطبيعة وصون التنوع البيولوجي، جرى إعداد دليل ميداني خاص بالمحمية البيئية العابرة للقارات للبحر الأبيض المتوسط، بهدف التعريف بالمؤهلات الطبيعية الفريدة لهذا المجال الممتد بين أوروبا وإفريقيا، وتقريب ثرواته البيئية من العموم، ولا سيما الأجيال الصاعدة.
ويأتي هذا المشروع في سياق الجهود الرامية إلى إبراز القيمة الإيكولوجية للمناطق الطبيعية المحيطة بمضيق جبل طارق، الذي يشكل فضاء للتلاقي بين القارتين الأوروبية والإفريقية، ويحتضن أنظمة بيئية متنوعة تجمع بين الجبال والغابات والمجالات الساحلية والبحرية، بما يجعل المنطقة ذات أهمية خاصة في الحفاظ على التوازن الطبيعي وصون التنوع البيولوجي.
وحظي المشروع بدعم مؤسسات من الجانبين المغربي والإسباني، من بينها الوكالة الوطنية للمياه والغابات بالمغرب، إلى جانب مؤسسات وهيئات إسبانية معنية بحماية البيئة، في إطار تعاون يروم تقديم هذا الإرث الطبيعي المشترك بأسلوب مبسط وجذاب، يتيح لغير المتخصصين التعرف على مكوناته وأهميته.
وكان الدليل الميداني قد قُدّم بمدينة الجزيرة الخضراء الإسبانية في 19 فبراير 2026، بمقر اتحاد بلديات منطقة كامبو دي جبل طارق، بحضور ممثلين عن عدد من الجهات المساهمة في إعداده، فضلا عن ممثلين عن حكومة الأندلس ومعهد ثيربانتيس بتطوان. كما تقرر تنظيم تقديم مماثل بمدينة تطوان، بالنظر إلى مساهمة مؤسسات مغربية في إنجاز هذا العمل البيئي المشترك.
وتعود بداية الاشتغال على المشروع إلى مطلع سنة 2024، حيث انصب الاهتمام على إعداد مادة علمية وتوعوية تتيح التعريف بجزء من الثروة الطبيعية التي تزخر بها هذه المحمية، مع التركيز على تقديم المعلومات بأسلوب واضح ومدعوم برسوم توضيحية، بما يجعل الدليل أداة للتثقيف البيئي والتحسيس بأهمية حماية المجال الطبيعي.
وتكتسي هذه المحمية أهمية دولية خاصة، إذ اعترفت بها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” سنة 2006، باعتبارها أول محمية من نوعها تربط بين قارتين عبر مضيق جبل طارق. وتضم، على الجانب الإسباني، عددا من المناطق الطبيعية المحمية، من بينها محمية ومنتزه سييرا دي غرازاليما، ومنتزه ومحمية سييرا دي لاس نييفيس، فضلا عن المنتزهين الطبيعيين لمضيق جبل طارق وألكورنوكالس.
أما على الجانب المغربي، فتشمل المنطقة منتزه تلاسمطان الوطني، الواقع في سلسلة جبال الريف الغربي بين إقليمي شفشاون وتطوان، بالقرب من منطقة باب تازة وقرية أقشور، فضلا عن المنتزه الطبيعي بوهاشم، الذي يمتد عبر أقاليم شفشاون وتطوان والعرائش. وتندرج هذه المجالات ضمن الرصيد الطبيعي الغني لشمال المملكة، بما يزخر به من غابات وموائل طبيعية تشكل فضاء لعيش أنواع متعددة من الكائنات الحية.
ويقدم الدليل معطيات ورسومات توضيحية حول مجموعة من الأنواع التي يمكن رصدها داخل هذا المجال البيئي، من بينها الثدييات الصغيرة والسلاحف والحيتانيات والطيور المحلقة والجارحة. وقد أنجز الرسوم الفنان المختص نيكولاس رويز، المعروف باسم “إسبينتاباخاروس”، فيما تولى فريق عمل يضم مساهمين وخبراء من جانبي المضيق إعداد النصوص والمحتويات العلمية، عبر اجتماعات مشتركة امتدت لنحو عامين.
ولا يقتصر الرهان على إصدار منشور تعريفي، بل يتجاوز ذلك إلى تعزيز الوعي بأهمية حماية الأنظمة البيئية التي لا تعترف بالحدود الجغرافية، خصوصا أن الحفاظ على التوازن الطبيعي يقتضي التنسيق بين المؤسسات المعنية وتبادل الخبرات والمعارف بشأن حماية الأنواع والمحافظة على موائلها الطبيعية.
وتبرز هذه المبادرة أهمية إشراك وسائل الإعلام في نشر الثقافة البيئية وتحويل المعرفة العلمية إلى مادة قريبة من المواطنين، بما يساعد على ترسيخ الاهتمام بالطبيعة وتشجيع الأجيال الجديدة على اكتشاف محيطها الطبيعي والدفاع عنه.
وفي ظل التحديات المتزايدة التي تواجه التنوع البيولوجي، من تدهور الموائل الطبيعية إلى الضغوط البشرية والتغيرات المناخية، تكتسب مثل هذه المشاريع أهمية إضافية، باعتبارها وسيلة لتعزيز التربية البيئية وتكريس التعاون المغربي الإسباني في مجال حماية الرصيد الطبيعي المشترك، انطلاقا من قناعة مفادها أن الحفاظ على الطبيعة يبدأ بمعرفتها، وأن الوعي بقيمتها يشكل خطوة أساسية نحو صونها للأجيال المقبلة.
25/10/2026